إن عيش
في يوم من الأيام في سنة 1977 أو 1983 أو 1999 أو 2006  . أو أي سنة من ذلك العهد، دخل الطفل بيته باكياً شاكياً من ابن الجيران الذي شتمه وضربه،  سأله أبوه: من يكون ابن الجيران هذا؟ ابن أي جار؟  

أجاب الطفل: ابن عمو أبو حميد. 

من؟  أبن أبو حميد؟  لا لا يا ابني لا تزعل،  أكيد الولد لا يقصد، معليش، هو يمازحك..  ( ويهمس إلى زوجته) : تخيلي ابن أبو حميد، يقولون هذا الرجل يشتغل بمكتب الوزير وهو أهم من الوزير،  يده طائلة، يقدر أن يخفيني من الوجود..

 تقول الأم لطفلها: إياك تزعل من الصبي،  هيا امسح دموعك واذهب والعب معه واسترضيه، لكن لا تدعه يضربك.  

يسأل الطفل: هو أكبر مني يستطيع أن يوقعني أرضاً،  فكيف أمنعه عن ضربي!  

تقول الأم: تحايل عليه باللهو واللعب ،  اعمل له حركات تضحكه، لا تجعله يغضب، فإنك حين تكبر ستحتاجه كي يتوسط أبوه لك للوظيفة.

دخل الطفل بيته باكياً شاكياً من ابن الجيران الذي شتمه وضربه،  في سنة 1978 أو سنة 2008 أو ما بينهما في ذلك العهد، سأله أبوه: من يكون ابن الجيران هذا؟  ابن أي جار ؟  

يجيب الطفل: ابن أم عصام.  

يصيح الأب: ابن أم عصام!  هذا ( الفصعون) يتطاول على أبناء العوائل؟  ليشبع اللقمة في بيته قبل أن يمد يده على أولاد الناس،  سوف أخرج وأعمل لهم فضيحة في الحارة حتى يتعلم كيف يحترم الأحسن منه ابن اللفاية هذا!  

مشهد تمثيلي واقعي جداً،  حدث مراراً وتكراراً.

إنه لمن المعروف أن صلة ما تربط ما بين الموَاطَنة والكرامة،  وأن المواطن يمتاز عن كونه ( فرداً) بانتمائه إلى وطن يمنحه كافة حقوقه المشروعة ويطالبه بواجباته تجاهه في المقابل،  لذا يكتسي قولنا ( فرد من الناس) الكثير من الضبابية والإنكار ، بخلاف مفردة مواطن التي بموجبها يتحدد الانتماء في المقام الأول،  وعلى هذا الانتماء تندرج مجموعة من الحقوق والواجبات كما أسلفنا.  

 يعرف قاموس كامبردج البريطاني المواطن ( Citizen ) كما يلي: المواطن هو شخص يتمتع بالعضوية لبلد معين،  ولديه حقوق بسبب الولادة فيها أو الإقامة. (1) .

وفي الفرنسية تعني المٌوَاطَنة الفرد الذي يتمتع بعضوية بلد ما ويستحق بذلك ما ترتبه تلك العضوية من امتيازات.  وفي معناها السياسي تشير المُوَاطَنة إلى الحقوق التي تكفلها الدولة لمن يحمل جنسيتها والالتزامات التي تفرضها عليه،  أو قد تعني مشاركة الفرد في أمور وطنه وما يشعره بالانتماء إليه. ( 2).  

ما يلفت الانتباه أن كلمة) Citizenship تعني مٌوَاطَنة،  ( تعني جنسية، وهي أيضاً تعني ( التربية الوطنية) ، وهي مادة تٌدَرس في المدارس كما نعلم،  وتهتم بشرح وإيضاح مفهوم المواطنة والانتماء، وتبين الحقوق والواجبات للمواطن في وطنه، باختصار هي مادة تعنى بنشر ثقافة المواطنة.  

ولأن الوطن في بلادنا مُصادَر لحساب الحاكم فقط،  فإننا تعلمنا مادة تسمى ( التربية القومية) عوضاً عن التربية الوطنية،  وفيها درسنا أقوال القائد الخالد ومبادئ الحزب الحاكم.. أما ( التربية الوطنية)  التي تهتم بنشر ثقافة وطنية حقوقية فقد تعلمناها من خلال نهج متراكم في البيت والمدرسة والشارع،  ومن خلال انعكاس صورتنا في مؤسسات الدولة وحسب تراتبيتنا بالبعد أو القرب من دوائر الحكام والمتنفذين،  بالرغم من أن الدستور ينص على حفظ وصون كرامة الإنسان ( المواطن) : 

( يقوم المجتمع في الجمهورية العربية السورية على أساس التضامن والتكامل واحترام مبادئ العدالة الاجتماعية والحرية والمساواة وصيانة الكرامة الإنسانية لكل فرد. )  ( 3). 

في الواقع،  في بلادنا، تشير كلمة مواطن إلى درجات ومراتب في السلّم الاجتماعي والإداري،  وبالتالي، إلى مواطن من الدرجة الأولى ومواطن من الدرجة الثانية والثالثة.. بالطبع لا يوجد نص صريح بهذا المحتوى،  إنما هذا ما يستطيع أن يفهمه ذلك الطفل، وهو معظمنا إن لم نقل كلنا، حينما ضُرٍب من قبل ابن الموظف في الوزارة ذي اليد الطائلة،  ثم حين ضٌرِب من ( ابن اللفاية) (4) الذي استضعفته عائلة الطفل المضروب وعليه ثارت ثائرتها، إذا الكرامة ترتبط بالمكانة الاقتصادية والاجتماعية والدور الوظيفي الذي يلعبه والد الطفل أو أحد ذويه،  وبالقدرة على إلحاق الأذى بالآخرين وليس ( القدرة على مساعدة الآخرين) ..  

في المدرسة حيث يجب أن نتعلم مفهوم الوطن والمواطن،  يدأب الكادر التعليمي على إفهامنا أن لا وجود للكرامة إلا بالمقدار نفسه ( معيار عائلة الطفل)  فإن توبيخ الطالب أمام زملائه وإهانته وإذلاله أمر مشروع جداً، حتى الضرب، ولا شفاعة لأحد باستثناء أبناء الذوات والمتنفذين..  

إن النظام التعليمي الذي لا يصون كرامة الطفل ولا حتى الشاب،  ولا يعلمه كيف يحترم الانسان نفسه ويحترم الآخرين، لهو نظام فاسد متفرع عن سلسلة من لاأدبيات الفساد الذي يتكاثر تلقائياً في مناخ الوباء..  وباء القهر والاستبداد إذ لا بد أن يستدعي النفاق والكذب في مواجهته ، ولعل شرطي المرور خير من يعرف ذلك لتعاسة حظه، فهو الذي يضطر يومياً إلى تحاشي المسؤولين وغض النظر عن مخالفاتهم حتى لو كانت كارثية،  كما يتعين عليه مع ذلك تقديم التحية لهم وابتلاع تهكمهم به بابتسامة لطيفة ! 

هكذا دأبت ( التربية القومية)  على تدجيننا ونخر كرامتنا، فتعلمنا أن حقوق الإنسان المتمكن مالياً مصانة،  خلافاً للفقير المحتاج..  

إن انعدام ثقافة وطنية تهتم بكرامة المواطن وحقوقه أدت إلى ارتباك في تحديد معنى الكرامة،  فقد نراها تمتزج مع مفهوم عزة النفس والشرف، لذا نستطيع أن نتفهم مؤديات التضخم في الثأر لكرامة الإنسان عندما يمس قيماً أخرى،  كالشرف، فنرى رد الفعل يتجاوز حجم الفعل بطريقة مبالغة، مثال ( إن لمح أحد ذكور العائلة – أي عائلة – ابن الجيران الشاب يرنو إلى أخته أو يقف قريبا منها يرمقها بعينيه فإنه سيقيم الدنيا ولن يقعدها لأن كرامته خدشت بسبب المساس (بشرف) العائلة..  وقد يندرج ( التعفف) ضمن بند ( عزة النفس) والكرامة أيضاً، ولا سيما حين يبدي الفقراء تمنّعاً شديداً لدعوة إلى الطعام أو رفضاً لشيء هم بأمًسّ الحاجة إليه، وما هذا إلا محاولة لرتق نسيج الكرامة الذي خرقته الحاجة وأفناه الفقر.. وقد دأبت الكثير من السيدات على توجيه بناتهن المقبلات على الزواج ونصحهن بالتعفف،  بمعنى أن لا تطلب الفتاة من الرجل الذي سيغدو زوجها أي شي بشكل صريح، بل تأخذ ما تشاء بالحيلة ( لا تنجلقي عليه بالطلبات فيقول عنك كنت محرومة في بيت أهلك.. تحايلي وعلميه أن يعطيكي ما تريدين من تلقاء نفسه..) وبموجب هذه النصيحة وما شابهها تبدأ المشاكل والاختلافات بالظهور بينهما حتى تستحيل حياتهما معاً.   

كأننا لم نخرج من عهدة البيك خلال العقود الماضية،  هكذا كانت الخطة جهنمية وخبيثة، على مبدأ ( جَوّع كلبك يتبعك) وقد عملت التربية المجتمعية الشفاهية على تعميق هذا السلوك بإحلال مبدأ: ( أنت وشطارتك)  وإعمالاً لأمثلة عديدة باتت قاعدة سلوكية جماهيرية، من مثل ( حلال على الشاطر) و ( الإيد اللي ما بتقدر تعضها بوسها وادعي عليها بالكسر) و( العين لا تعلى على الحاجب) ..  

ولغاية تخلو من البراءة احتفى التلفزيون السوري بأعمال ( غوار)  دريد لحام – باستثناء الأعمال التي كتبها المبدع العظيم الماغوط وأعمال اخرى قليلة – نخص بالذكر مقالب غوار التي ترسخ مبدأ الشطارة والفهلوه،  وتسبدل الوقوف أمام الحق والعدل بالتصاغر والتحايل والمراوغة، وللوضوح نذكر أعمال الفنان ياسر العظمة ( مرايا) ونرى الفرق بينها وبين مقالب غوار التي تأسست على النكتة المتصنعة والمنافقة والخداع،  وعلى ضوئهما نستطيع الحديث عن العدالة الاجتماعية والمساواة.  

اليوم وقد أصبح الملايين من السوريين لاجئين في بلاد شتى..  منها بلاد تحترم الانسان وتعمل بموجب ثقافة المواطنة، ما يمنحنا بعض العزاء.  

إنه من الطبيعي أن تسمى ثورة الشعب السوري ثورة الكرامة،  وإن كان علينا – بكل صراحة – مراجعة أنفسنا مراجعة شاملة، مراجعة مفاهيمنا ورموزنا وأفكارنا وطرق عيشنا وتربيتنا،  لأننا لن نقهر الظلم بالظلام، ولن نزيل العنف بالمزيد منه، بل بالعدل والاحترام والرقي وصون كرامة الإنسان.  

 

المراجع:

  1. قاموس كامبردج الانكليزي.  مادة Sitizen. 
  2. ويكيبيديا. مادة مواطنة 
  3. دستور الجمهورية العربية السورية – الفصل الثالث – المبادئ الاجتماعية – المادة 19 
  4. اللفاية) ( مفردة عامية سورية تعني العاملة التي تعمل في مجال التنظيف. 

مصدر الصورة: pxfuel

اترك رد

avatar