منذ أشهر، أو منذ نهاية أكتوبر الماضي، أنهت تركيا عمليتها العسكرية (“نبع السلام”)، بإقامة منطقة آمنة على حدودها الجنوبية، بعمق 15 كلم وطول 120 كم بين مدينتي تل أبيض ورأس العين، بالتوافق مع الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا.

هكذا، فبعد هذا التطور، الذي أتى بعد ثلاثة أعوام على عملية “درع الفرات” في ريف حلب الشمالي (2016)، وبعد عامين تقريبا على عملية “غصن الزيتون” (يناير 2018) باتت منطقة إدلب، وهي المنطقة الرابعة والأخيرة، ضمن ما أطلق عليه المناطق “منخفضة التصعيد”، مستهدفة من قبل النظام وحليفيه الروسي والإيراني، إذ منذ حينه تتعرض تلك المنطقة لقصف وحشي مبرمج ومدمر، أدى إلى اقتلاع مئات الألوف من السوريين، من مدنهم وقراهم وبيوتهم، وتشريدهم، في حين تقف تركيا عاجزة، أو حائرة، أو لا يهمها فعل أي شيء عملي لوقف تلك المأساة.

الحديث هنا يتعلق بتركيا وبالمعارضة السورية، إذ أن تركيا هي جزء من تحالف أستانة الثلاثي، الذي يجمعها مع حليفي النظام روسيا وإيران، وهو تحالف غير مفهوم من وجهة نظر ترى في تركيا سندا للمعارضة السورية، وأضر بالشعب السوري، وبثورته، وفوق كل ذلك فإن محصلة هذا التحالف ربحا صافيا للنظام، مقابل أفول المعارضة، بشقيها السياسي والعسكري، وفقدانها لمصداقيتها.

اللافت هنا أن المعارضة السورية أيضا لم تتخذ الموقف المناسب لمصارحة القيادة التركية بحقيقة الأضرار الناجمة عن قيام تحالف استانة، أو عن الأضرار التي تعرضت لها، والأهم أنه لم يصدر منها إلا ما يحابي الموقف التركي، ويعزز من ارتهان المعارضة له، وكأن مهمة تلك المعارضة إرضاء تركيا، أو الاستجابة لأجندتها، بدلا من إرضاء الشعب السوري، والحفاظ على مصالحه، وضمان سلامة مسار المعارضة، وكل ذلك على رغم انزياح الخطاب التركي من إسقاط النظام، الى مجرد الحفاظ على الأمن القومي لتركيا، والحؤول دون تمكين الكرد من قيام نواة حكم لهم، وضمان حصتها في تقرير مستقبل تركيا مع الأطراف الدوليين والإقليميين الأخرين، وهو ما ظهر في توزيع النفوذ في سوريا، وفق للعمليات العسكرية الثلاث.

الذهاب إلى عملية “درع الفرات”، التركية، أدى إلى تضعضع ثم انهيار مواقع المعارضة في حلب (أواخر 2016)، وفي ظل مخططات المناطق منخفضة التصعيد سقطت بعدها مواقع المعارضة في درعا ثم في منطقة دمشق، في القلمون والزبداني ووادي بردى والغوطة، وبعدها في أرياف حماه وحلب، وفقط بقيت منطقة إدلب، التي تم تمكين “جبهة النصرة” منها، كي تبقى بمثابة المبرر لكل الأطراف بإيجاد منطقة نفوذ فيها، كل بحسب أجنداته.

على أية حال، ثمة نتيجة واحدة مؤسفة، للتجاذب الحاصل في منطقة إدلب، وهو أن النظام سيتمكن ولو بعد حين من السيطرة على تلك المدينة وما حولها، بمساعدة القصف الوحشي الروسي، وبمساعدة الميلشيات التابعة لنظام الولي الفقيه في إيران، إذ قد يمكن تأجيل تلك النتيجة، كما حصل في مناطق أخرى، وقد يمكن التراجع اليوم والهجوم غدا، أو يمكن للمعارضة صد هجوم اليوم، والتراجع غدا، لكن في نظرة موضوعية فإن فصائل المعارضة لا يمكن لها أن تغير النتيجة في ظل التوافقات المعلنة وغير المعلنة بين الأطراف المنخرطة في الصراع السوري، سيما وفقا للمعادلات الآتية:

أولا، روسيا هي أهم لتركيا من إدلب، تبعا للعلاقات التي تربط تركيا بروسيا والمصالح الاستراتيجية بينهما، لذا سيبقى الموقف التركي محدودا، أو في أحسن الحالات سيحاول تحسين شروط التواجد التركي في تلك المنطقة، لكنه لن يغير من نتيجتها، إلا إذا حصل تغير دراماتيكي ناجم عن دخول الولايات المتحدة على الخط، من ناحية عملية وليس نظرية فقط.

ثانيا، لنلاحظ أن تركيا لم تنفذ، ولا مرة، تعهداتها بوقف المقتلة السورية، أو بوقف مسلسل تشريد السوريين، منذ حلب خط احمر، وصولا الى كل ما جرى في المناطق التي كانت تعتبر منخفضة التصعيد، بحسب اتفاقات تحالف استانة الثلاثي.

ثالثا، منذ قيامه (2017) كان تحالف استانة وبالا على السوريين ومعارضتهم، إذ تمكن النظام من استعادة ما عرف بالمناطق المحررة، وتشريد سكانها، كما نجم عن ذلك استتباع المعارضة السورية لتركيا وفقدان تلك المعارضة لمصداقيتها.

٤- لا يمكن المراهنة على الفصائل المسلحة لارتباطها بأجندات خارجية، وأيضا لضعف إمكانياتها، والمعنى أن العمليات القتالية المدعومة من تركيا، بهذا المستوى أو ذاك، يمكن لها أن تطيل أمد القتال، علما أن ذلك يجعل ثمنه باهظا على السوريين، أي من دون تغيير النتيجة المتوقعة، والتي سبق أن حصل مثلها في الغوطة والقلمون وحلب والمعرة.. الخ

مصدر الصورة: ويكيميديا

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments