هل
يبحث السوريون ممن لهم ابناً أو أباً أو أخاً أو أختاً أو قريباً مفقوداً أو معتقلاً في الصورة المرعبة التي تسربت من أجهزة النظام، أو في السجل المدني، حيث وفى النظام الآلاف في هذا السجل عن هؤلاء الأحبة. صور مرعبة تضاف إلى صور مرعبة، كان قد نشرها ما عرف باسم «قيصر»، خمسون ألف صورة لاحدى عشر ألف ضحية تم توثيقها من قبل النظام نفسه، وكل يوم يضاف المزيد من المعلومات والصور يضاف إلى ألبوم الرعب الذي ينتجه النظام السوري، عبر الهولوكست الخاص بالسوريين. يتسرب المزيد من المعلومات لتكشف جرائم جديدة ارتكبت بحق عشرات آلاف الابرياء، ليس لهم ذنب، سوى أنهم كان في المكان الخطأ في الزمان الخطأ، ما عرضهم للاعتقال أو القتل، وبالتالي، لأبشع أنواع التنكيل والتعذيب، وأن يد الجلاد لا تكف عن القتل داخل المعتقلات وخارجها.

وبما أن هذه الجرائم المعروفة إلى اليوم تشكل قمة جبل الجليد للجرائم المرتكبة بحق السوريين، فلنا أن نتخيل أي هولوكوست مر ويمر به السوريون على يد النظام المجرم في دمشق، دون أن يرف للعالم جفن، وإلى متى سيستمر؟!. التطابق بين صور الهولوكوست اليهودي على يد الألمان والهولوكوست السوري على يد النظام تبعث على الفزع، لا فرق بينهما سوى أن صور الهولوكست السوري صور ملونة، ولو تم حذف الألوان من الصور وخلطها مع صور الهولوكست لما تم تميزها عن بعض.

تبعث صور القتلى على الذهول، ليس بسبب وحشيتها فحسب، بل، وبسبب ضعف الإجابة التفسيرية لهذا السلوك، ورفض العقل البشري السوي الإقرار به بوصفه واقعاً يستمر في واقعيته المرعبة. وماذا عن نوعية البشر التي ترتكب هذه الجرائم، عن البشر بوصفهم آلات قتل جهنمية بيد الطاغية، أدوات لفرم البشر بلا رحمة وبلا رفة جفن. من أين جاءت كل هذه القسوة؟ أين تربى هذا الإجرام السادي المنفلت من عقاله؟ أي منظومة قيمية في غاية التشويه انتجت هذه الوحوش البشرية مصاصي دماء بشر مثلهم؟ هل تفسر «عادية الشر» التي كتبت عنها حنة  أرندت في كتابها «ايخمان في القدس» والذي يحمل عنواناً فرعياً «تقرير عن عادية الشر» الوضع السوري.

شكل ايخمان في نظر أرندت نموذجاً للإداري التكنوقراطي الذي يرتكب أبشع الجرائم بضمير مرتاح  ودون أن يرف له جفن بوصفه جزءاً من الآلة. ينزع تعبير «عادية الشر» الذي استخدمته أرندت الشيطنة عن الجناة والقتلة، مصورة ايخمان بوصفه موظفاً بورجوازياً تافهاً، وليس سادياً أو شاذاً كما حاول الادعاء الإسرائيلي أن يصوره، بل شخصاً عادياً تماماً، ومرعباً في عاديته. لم ترَ أرندت في أيخمان تجسيداً للشر، بل أعتبرت أن الكارثة تكمن في قدرة النظم الشمولية على تحويل البشر إلى محض «منفذين» و«تروس» في الآلة الإدارية لدولة البطش، أي تجردهم من إنسانيتهم، وتجعلهم منفذين للشر بوصفه الأمر الطبيعي الذي يجب عليهم القيام به.

ليس التحليل الفكري وحده الذي يتحدث عن تحول البشر إلى تروس في آلة الدولة الشمولية المدمرة، علم النفس بدوره يدعم هذه العادية للشر. بعد الحرب العالمية الثانية، تم إجراء العديد من التجارب والأبحاث النفسية لإيجاد أجوبة مقنعة عن كيفية اتباع الإنسان لأوامر قد تعتبر غير أخلاقية أو إنسانية. من أشهر هذه التجارب تجربة العالم النفسي الأمريكي ستانلي ملغرام مطلع الستينات، وفيها قام بتجنيد متطوعين مقبولين من الناحية الثقافية والاجتماعية، وقام بتوزيع الأدوار عليهم دون أن يدري المتطوعون الغرض الرئيسي من التجربة. قام ملغرام بوضع أحد الأشخاص في غرفة مغلقة لا يمكن لأحد رؤيته وأعطي لهذا الشخص تعليمات أن يخطئ بصورة متعمدة في هجاء بعض الكلمات. على الجانب الثاني من الغرفة كان هناك شخص مزود بقائمة من الكلمات التي طلب منه أن يلقنها للشخص الموجود في الغرفة، ليقوم هذا الأخير بهجائها بالصورة الصحيحة، وإذا أخطأ فإن على السائل أن يضغط على زر يؤدي إلى صعق الشخص بشحنة كهربائية، تُزاد كمية الشحنة في كل مرة يرتكب في الشخص خطأ إضافي. في الحقيقة، لم يكن هناك أي جرعة كهربائية، لكن السائل لم يعرف ذلك، والشخص الموجود في الغرفة كان يتصنع الصراخ من الألم كل مرة يضغط السائل فيها على الزر. لم يكن لكل المشتركين أي مانع من تنفيذ هذا الأمر، مما أدى إلى الاستنتاج بأن للإنسان نزعة باتباع الأوامر إذا ما اعتقد بأنها صادرة من أشخاص مسؤولين، حتى إذا كانت هذه الأوامر منافية للمنطق.

مرعبة فكرة «عادية الشر»، يعني أن الشر مقيم بيننا، في منازلنا، بين أصدقائنا، جيراننا، في البشر البسطاء الذين يسيرون في الشارع، كل هؤلاء يمكن تحويلهم الى تروس في آلة القتل، يمكن أن يذبحوني أو أذبحهم في أي وقت. لكن، لا. مهما كان حجم الإجرام، فإنه لا يمكن القبول بعادية الشر، ولا يمكن القبول أن البشر يرتكبون جرائمهم بوصفهم جزءا من آلة كبيرة. هل كان يمكن للضحايا أنفسهم أن يكونوا قتلة؟! لا يمكن عكس المواقع في التاريخ الحي، القتلة هم القتلة والضحايا هو الضحايا. وإذا كان الضحايا لم يختاروا موقعهم، فإن القتلة اختاروا موقعهم، وتمترسوا فيه، خاصة بعد تسع سنوات من الدم السوري النازف. اختار النظام أن يمضي في مذبحته الى النهاية، واختار من حوله أن يحموا النظام بكل ثمن، وإذا كانت الوحشية الدموية هي النتاج الطبيعي للتمسك الكلبي بالسلطة، فإن الشر لا يمكن فصله لا عن السلطة ولا عن القتلة المندمجين في هذه السلطة، ولا من ينفذون المذبحة فقط لأنهم تروس في آلة، بل لأنهم جزء من الآلة ذاتها ومصالحهم مرتبطة بها. من الممكن الحديث عن مجندين برتب منخفضة، بأنهم أسرى آلة الدولة، لكن لا يمكن أن ينطبق ذلك على رئيس فرع أمني، فهو جزء من آله صممت أصلاً من أجل القتل، واختار أن يكون جزءاً أساسياً من هذه الآلة، ولا يغير من هذا التكوين تفاهة من يقف على رأس هذه الآلة، رئيس قادته الصدفة، ليتحكم ببلد كأنها لعبة أطفال. قد تكون الصدفة في التاريخ، أسوأ عامل موضوعي في تاريخ البلد، وهذا ما ينطبق على الوضع السوري في ظل رئاسة بشار الأسد.

مصدر الصورة:flickr

اترك رد

avatar