أثيرت مؤخراً تساؤلات حول “جبهة النصرة”، بخاصة على خلفية استنكافها المشاركة في صدّ الهجوم الذي شنّته قوات النظام في أرياف حلب وحماه وإدلب، طوال الأشهر الماضية، ودورها في تسليم بعض المناطق التي كانت تسيطر عليها للنظام، وحول مآلاتها، وإمكان حل ذاتها، أو إمكان تصفيتها، وهي في كل الأحوال امتداد لنقاشات سابقة، طرحت علامات تساؤل حول دور هذه الجبهة منذ ظهورها أواخر 2011.

في السجال حول دور هذه الجبهة، يمكن طرح الملاحظات الآتية:

أولا، منذ البداية لم تحسب “جبهة النصرة” نفسها على ثورة السوريين، ولم تعترف بأي من كياناتها السياسية والعسكرية والمدنية، ولم تنخرط في أطرها، ناهيك أنها ناهضت صراحة المقاصد التي قامت من أجلها، والمتمثلة بإنهاء نظام الاستبداد وإقامة دولة تتأسس على الحرية والكرامة والمواطنة والديمقراطية، إذ لها مشروع أخر ومرجعية أخرى، تفيض عن سوريا، سيما باعتبار انتمائها لتنظيم “القاعدة”.

ثانيا، اشتغلت تلك الجبهة على كل ما من شأنه إضعاف فصائل “الجيش الحر” لإزاحتها من المشهد، إلى درجة خوضها معارك مع بعض تلك الفصائل، في الجنوب والوسط والشمال، من دون أن توفر في ذلك قتالها حتى الفصائل العسكرية الأخرى المحسوبة على التيار الإسلامي، بحيث أنها قاتلت الجيش الحر، والفصائل الأخرى، أكثر مما قاتلت النظام.

ثالثا، ظلت إشارات الاستفهام تحوم حول جبهة النصرة التي صعدت بطريقة مريبة، بواقع تدفّق الدعم المالي والتسليحي عليها من أطراف خارجية، دوناً عن غيرها، واستجلابها مقاتلين غير سوريين، وصرامتها في التعامل مع الفصائل الأخرى، هذا إضافة إلى انتهاجها استراتيجيات قتالية تفوق قدرات السوريين، وتكلفهم أثمانا باهظة، واستهدافها النشطاء السياسيين في المناطق التي خضعت لسيطرتها، ودفعها لهم لمغادرتها.

رابعا، أسهمت تلك الجبهة بإضعاف صدقية الثورة السورية إزاء شعبها وإزاء العالم بنمط خطابها الطائفي المتطرف والعنفي، كما أنها بمواقفها وممارساتها عوّقت من إمكان التفاف كل مكونات الشعب السوري حول الثورة، وسهّلت على النظام الترويج لدعايته المتعلقة بمواجهة الإرهاب والتطرف، وحماية الأقليات، وهذه فاتورة غالية وخطيرة ومكلفة. ولعل ما يفترض إدراكه أن الموقف من هذه الجبهة لا يصدر من تغطّيّها بالإسلام، أو انتهاجها الإسلام السياسي، وإنما بسبب تبنّيها الإسلام المتطرف والتكفيري والإقصائي، علما أن هكذا خطاب يخرج كثيرا من السوريين، من غير المسلمين، من دائرة المواطنة، ما يعني تصديع وحدة الشعب السوري، ناهيك أنه يستهدف المسلمين وحتى التيارات الإسلامية المعتدلة، بحكم عدم توافقها مع هذه الجبهة.

خامسا، إن تصدّر تلك الجبهة لمشهد الصراع ضد النظام (مع “داعش”) هو تحديداً ما أراده وتمناه النظام، وما دأب على الترويج له، لأن ذلك يخدم سياسته في تحويل الثورة السياسية إلى صراع ضد الإرهاب والتطرف، وبالتالي إطلاق يده، مع روسيا وإيران، في البطش بالبيئات الحاضنة للثورة، على نحو ما حصل، مثلا، في الزبداني ودوما وحمص وداريا وعلى نحو ما يحصل في حلب، وحاليا في إدلب وريفها.

سادسا، هذه الجبهة غريبة عن المجتمع السوري، وعن اجماعاته السياسية، وثقافته، ونمط تعاملاته، وحتى بنمط تسلطها عليه، رغم إدراكها أن ذلك يفاقم من عذابات السوريين، ويعزلهم، ويكشفهم أمام بطش النظام، فإنها لم تتعامل بمسؤولية أو بغيرية على الشعب السوري بإصرارها على نهجها، بدليل أنها لم تغير سوى اسمها استجابة للضغوط عليها، في حين ظلت في مواقفها وممارساتها جزءا من تنظيم “القاعدة”، إذ لا يكاد يوجد فارق بينها وبين “داعش” سوى في التفاصيل. ومن ناحية أخرى فإن تصدر جبهة النصرة وأمثالها المشهد السوري أضر بالثورة السورية، وأضعف مكانة المعارضة في الصراع الجاري على مستقبل سوريا، كما أضر بوحدة السوريين، بل وحتى بالجماعات الإسلامية المدنية والمعتدلة.

سابعا، عدم تمييز البعض في المعارضة، من الائتلاف إلى “الجيش الحر”، بين “النصرة” و”داعش”، بادعاءات ساذجة ومضرّة ولا معنى لها، أفاد النظام وأضر بالثورة، وشوش على الراي العام، وهذا طبعا لا علاقة له بالتمييز بين تلك الجبهة وبين العناصر الدنيا المنضوية فيها، ليس لأسباب أيدلوجية، وإنما لأسباب معيشية، أو بحكم الضرورة في المناطق التي تسيطر فيها.

على أية حال فإن جبهة النصرة استنفذت الغرض الذي قامت من أجله، سواء كثورة مضادة، في الجسم السوري، أو كفصيل يلعب دورا وظيفيا، وأيضا باعتبارها جزءا من الإسلام السياسي الجهادي، بعد ضمور العمل المسلح، وضمور الفصائل الجهادية. ومعنى ذلك أن تلك الجبهة تقف هذه الأيام إزاء مرحلة حاسمة، بين حل نفسها طواعية، والذوبان، أو بين الدخول في مواجهة عنيفة مع أكثر من طرف، وكل ذلك مرهون بتطورات الوضع في شمال غرب سوريا.

مصدر الصورة: فليكر

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments