بدأت نتائج العمليات العسكرية التي تشنها قوات الأسد على محافظة إدلب تنعكس بشكل سلبي على حياة المدنيين، وتحديدًا فيما يخص تأمين المأوى للهاربين من العمليات العسكرية.

ولم يكن الخوف من الموت تحت القصف والبراميل المتفجّرة مشكلة السوريين الوحيدة في محافظة إدلب، حيث ترافقت العمليات العسكرية، مع موجات نزوح واسعة، أدّت إلى زيادة الضغط السكّاني على ما بقي من المناطق المحرّرة، والتي بقيت حتّى الآن آمنة من قصف قوات الأسد.

آلاف المهجرين بدأوا بالبحث عن مأوى لعوائلهم في هذا الشتاء، ما وضعهم أمام مصاعب الأجور المرتفعة، أو ضيق المخيمات العشوائية التي تفتقر لأدنى مقومات الحياة.

 

منازل بأجور مرتفعة

وجد الكثير من المهجرين أنفسهم مجبرون على القبول بأي مأوى يُعرض عليهم حتى وإن كانت أجوره مرتفعة، نتيجة حاجتهم الملحة للخروج من مناطقهم التي بدأت قوات الأسد بالتقدم إليها.

خالد العمر، شاب من مدينة سراقب في ريف إدلب، تعرض للابتزاز خلال محاولته استئجار منزل، ووجد نفسه مجبرًا على الرضوخ لمطالب صاحب المنزل، بهدف إيواء عائلته التي تنتظره في الشارع.

يدفع خالد 150 دولار بشكل شهري آجارًا لمنزله الجديد، في حين أن صاحب المنزل طالب بدفع أجرة ثلاثة أشهر سلفًا، ما حمّل خالد أعباءً كبيرة، لكنه يمني النفس بأنها مرحلة مؤقتة ريثما يبحث عن منزل بديل في إحدى المناطق التي قد تكون مناسبة لحالته الاقتصادية.

 

تتنوع تكاليف إيجارات المنازل في الشمال السوري، لتتراوح ما بين 50 دولار و300 دولار بحسب المنطقة ومساحة المنزل وتجهيزاته.

لكن المشكلة الأبرز التي تعترض سبيل المهجرين، هي مسألة العثور على منزل نتيجة الازدحام السكاني الذي تشهده المناطق الحدودية، ما يدفع ضعاف النفوس لرفع أجور منازلهم، بحجة انخفاض قيمة الليرة السورية أمام الدولار وضعف القوة الشرائية، فيعمدون إلى إخراج أحد المهجرين من منزله بهدف، تأجيره بسعر أكبر أو بيعه لمهجّرٍ جديد.

اضطر إبراهيم العطية إلى ترك منزله في أرمناز في ريف محافظة إدلب قبل شهرين من انتهاء العقد الموقع مع صاحب المنزل، بسبب مطالبات الأخير المستمرة بالإخلاء لأنه عازم على بيع منزله لأحد المهجرين حديثًا وإن انتظر حتى انتهاء العقد قد تضيع فرصة البيع.

يقول إبراهيم: “بعد بحث طويل تمكنت من العثور على غرفة للإيجار وأدفع شهريا 20 ألف ليرة سورية تكلفة إيجار الشقّة على الرغم من وضعها الخدمة المتدنّي وتجهيزها السيء.

ويتعرّض الكثير من المهجرين لمشاكل مشابهة لما مر به إبراهيم في المنطقة التي يعيش بها، وأغلب أصحاب العقود القديمة ينتظرون انتهاء العقد لإخراج المستأجر والبحث عن مهجر قد يدفع أكثر أو بهدف بيع المنزل، وفقًا لابراهيم.

 

الإقامة ضمن المنازل العشوائية

صعوبة العثور على منزل للآجار وتحكّم أصحاب المنازل دفع الكثير من أبناء المناطق التي سيطرت عليها قوات الأسد مؤخرًا إلى البحث عن منطقة يمكنهم الاستقرار فيها بشكل دائم ضمن القرى الشمالية القريبة من الحدود السورية – التركية، فاشتروا أراضٍ في المناطق الجبلية أو على أطراف البلدان وبدأوا البناء بشكل مبسط يخلصهم من دفع نفقات الأجور المرتفعة ويخلصهم من الإقامة في الخيام الباردة.

أحمد اليوسف شاب من ريف حماة اشترى 100 متر في منطقة أطمة وبنى ثلاث غرف وسقفها بالعوازل التي تستعمل في الخيام، وفرش أرضها بطبقة رقيقة من الاسمنت لتشكل عازلا للرطوبة وأقام فيها مع عائلته.

يقول اليوسف: “إن تكلفة المشروع تتراوح ما بين 700 إلى 1000 دولار لكنها تؤمن مسكنًا دائمًا لصاحبه وتخلصه من استغلال أصحاب المنازل المؤجرة” معتبرًا أن إيجار عام واحد في مناطق الشمال كفيلة ببناء منزل مشابه”.

ويرى اليوسف أن هذا المنزل لا يشبه بحال من الأحوال منزله الذي تركه في قريته إلا أنه أفضل بكثير من الإقامة في الخيمة.

من جانبه يرى “أبو ابراهيم”، أن وجود تلك المنازل المخالفة في مناطق فارغة، ساهم في إيواء فئة كبيرة من الناس، لكن العشوائية المتبعة في بناء تلك المنازل وغياب المخططات الخدمية بدأت بجعل هذه المساكن متعبة لساكنيه.

وأضاف أبو ابراهيم: “الجدران متلاصقة بشكل لا يحتمل، ما يمنعك من فتح نوافذ للمنزل، كما أن بُعد تلك المنازل عن البلدات حرمها من الخدمات الأساسية مثل الصرف الصحي والكهرباء ما دفع أصحابها للبحث عن حلول بديلة للتعايش مع المشكلة.

 

المخيمات آخر الحلول

ويجد الكثير من المهجّرين أنفسهم مجبرون على التوجه للمخيمات، ولا سيما عندما تنعدم البدائل بالتزامن مع قسوة برد الشتاء، وحاجة هذه العائلات إلى أي مأوى حتّى لو كان خيمة.

خرج سامر مع عائلته من بلدة النيرب قبل أيام من تقدم قوات الأسد إليها، ومكث في منزل أحد أقربائه بشكل مؤقت، ولكن عجزه عن إيجاد مأوى آمن للعائلة دفعه لشراء خيمة والإقامة بها في أحد مخيمات الشمال.

يقول سامر: “اشتريت الخيمة على نفقتي الشخصية فالضغط الكبير الذي تشهده المخيمات يمنعك من الحصول على خيمة فارغة، وأنت أمام خيارين إما شراء خيمة على نفقتك والإقامة بها، أو الإقامة ضمن أحد مراكز الإيواء لتنتظر افتتاح أحد المخيمات التي تعمل المنظمات على تأسيسها، والأمر قد يطول ولا يمكن تحمّله”.

من جانبها عملت المنظمات الإنسانية والهيئات الإغاثية على افتتاح عدد من المخيمات ومراكز الإيواء بهدف إيجاد السكن المناسب لجميع المهجرين.

وجهزت “مديرية التنمية” سبعة مراكز إيواء في مدينة إدلب يقطن ضمن هذه المراكز قرابة 350 عائلة، بالإضافة إلى 35 مخيمٍ جديدٍ يضم قرابة 6500 عائلة، وما زال العمل مستمرًا على إنشاء مخيمات جديدة ونقل المهجرين من مراكز الإيواء المؤقت، بحسب دائرة الإحصاء في مديرية التنمية.

من ناحية أخرى عمد بعض المهجّرين، لإنشاء مخيمات عشوائية بأنفسهم ضمن الأراضي الزراعية أو المناطق المنخفضة، بسبب الازدحام الشديد، وعجز هؤلاء عن العثور على أرضية مناسبة ما جعل تلك المخيمات عرضة للمشاكل الشتوية مثل غرق المخيمات وانقطاع الطرق وصعوبة الوصول إلى الخيام، لتضاف مأساة جديدة إلى حياتهم بالإضافة لمآسي التهجير.

وبلغ عدد المخيمات في محافظة إدلب 1259 مخيمًا منها 348 مخيمًا عشوائيًا بحسب آخر إحصائية لفريق “منسقو الاستجابة” ويقطن تلك المخيمات أكثر من مليون نسمة، الأمر الذي يحمّل المنظمات الإنسانية والهيئات المدنية دورًا أكبر في تخديم هؤلاء المهجرين.

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments