تعرضت عدّة مخيمات في شمال غرب سوريا لحرائق عديدة مؤخّرًا، راح ضحيتها عائلات نازحة بأكملها معظمها من النساء والأطفال.

يأتي السبب المباشر لهذه الحرائق، نتيجة الأوضاع الاقتصادية السيئة للعائلات النازحة وعدم قدرتها في غالب الأحيان على شراء مواد التدفئة الآمنة كالمازوت والغاز، لتأمين الدفء في ظل انخفاض درجات الحرارة هذه الأيام.

هذا الواقع يدفع الأسر النازحة لاستخدام طرقٍ غير صحّية للتدفئة مثل حرق الأقمشة والأخشاب في مدافئ آيلة للاحتراق بأي لحظة

 

ضحايا التدفئة

أسهمت عدة عوامل وأسباب باشتعال حرائق في مخيمات الشمال السوري، ومنها انخفاض درجات الحرارة والاعتماد على وسائل تدفئة بديلة غير صحية وخطيرة.

يقول معاون مدير مخيم الزيتون عمر شبيب لـ “بوابة سوريا“: “وقعت حادثة احتراق خيمة في مخيم الزيتون غربي معرة مصرين، ما أدّى إلى وفاة طفلتين وهما سوزان، من نازحي بلدة قسطون غربي حماة” موضحًا أن عُمر الكبيرة من الطفلتين لا يتجاوز ست سنوات، في حين أُصيب الوالدين بحروق خطرة، بعد أن عجزت فرق الإنقاذ عن إخماد الحريق واشتعلت الخيمة بالكامل”.

وأضاف الشبيب، أنه وقعت حادثة اختناق أخرى لطفلٍ عمره 13 عام في المخيم ذاته، وهو نازح من ريف حلب الغربي، اختنق ليلاً نتيجة استنشاق غاز ثاني أكسيد الكربون السام، المنبعث من استخدام وسائل التدفئة البديلة، كالإطارات المطّاطية والنايلون والفحم وبقايا النفايات، وهي مواد تنبعث عنها مواد سامة وقاتلة لا لون لها ولا رائحة.

كما وقعت حرائق أخرى في مخيمات مختلفة جميعها نتيجة استخدام وسائل تدفئة رديفة غير صحّية.

ويكشف الناشط عبد الرحمن عيسى من سهل الغاب، أنه نشب حريق في مخيم “صامدون” شمال غرب مدينة سلقين، نتيجة محاولة عدة أطفال إشعال النار جانب خيمتهم للحصول على الدفء، فاندلعت النار وتسبب باحتراق أربع خيام، واقتصرت الأضرار على المادية وبعض المضار الصحية البسيطة.

وتضررت أعداد أخرى من الخيام في مخيم ملحق كفرنبودة الحرة بقاطع دير حسان شمالي إدلب.

ويشير فريد ياسين شاليش، مسؤول المخيم إلى أن حالات اختناق لم يستطع الأطباء علاجها، وقعت في المخيم نتيجة انقطاع المازوت وارتفاع أسعاره، الذي تزامن مع البرد الشديد والمنخفضات الجوية المتتالية، الأمر الذي دفع الأهالي للاعتماد على وسائل تدفئة بديلة عن المازوت، والوفيات هي طفل عمره عامان ونصف، ورجل بعمر 45 عام ورجل آخر بعمر 60 عام، جميعهم نتيجة استنشاق مواد سامة ونزلات البرد وعدم قدرة أجسادهم على مقاومة البرد.

 

خيام غير آمنة

وتعتبر نوعية الخيام عاملًا في اندلاع الحرائق، فضلًا عن كون الخيام الحديثة أكثر خطوة وعرضة للاحتراق، لأنها مصنوعة من النايلون القابل للاحتراق بسرعة كبيرة.

يشرح عمر شبيب عن أسباب الحريق بقوله: “إن المخيمات الحديثة باتت كبيرة جدًا، الأمر الذي خلق عجزًا عند بعض المنظمات عن تبنّي وكفالة تلك الخيام كل على حدة، وعزلها بالشكل المطلوب لمنع أي حريق فيها أو التخفيف من أضراره”.

واعتبر أن جميع الخيام مصنوعة من الشوادر البلاستيكية وهي غير معزولة بقطعٍ اسفنجية تلف الخيمة من الداخل بكل نقطة منها، يليها غطاء من القصدير العازل، وهو ضروري للتخفيف من درجة البرودة شتاء وارتفاع الحرارة صيفًا في الخيام، لافتًا إلى أن جميع المخيمات الحديثة غير معزولة نتيجة الحاجة الماسة من السكان لمأوى يعيشون فيه، وانعدام قدرتهم على تجهيز الخيمة وعزلها بشكل جيد”.

يضيف الشبيب: “مع عدم العزل وانخفاض درجات الحرارة بشكل كبير، يحاول من يعيش في الخيمة تدفئة الخيمة بشكل كبير لتعديل درجة الحرارة داخل الخيمة التي لا تختلف عن خارجها، وبالتالي احتراق القطعة الملامسة لأنابيب المدفأة واحتراق الخيمة بالكامل”.

 

وسائل تدفئة خطرة

يعتمد أهالي المخيمات في الشمال السوري للحصول على التدفئة على الوسائل البديلة، كالفحم والنايلون وقطع البلاستيك وبقايا النفايات، بالإضافة إلى دواليب السيارات “الكوشوك” وهي جميعها مواد تعطي حرارة كبيرة ولكنها تسبب أمراضًا تنفسيةً خطيرة.

وعن سبب استخدام هذه المواد يقول أحمد الشيخ علي، وهو نازح من بلدة كفرنبودة ومقيم في مخيم كفرنبودة الحرة: “نعتمد على الدواليب والأحذية القديمة للتدفئة في مخيمنا، لأنها تعطي دفئًا جيداً مع انخفاض درجات الحرارة موضحًا أن المخيمات في المناطق الجبلية يتميز طقسها بالصحراوي، وهو طقس جاف وبارد شتاءً وحار صيفًا، ومع الفقر وتدهور الأوضاع الاقتصادية للسكان وعدم قدرتهم على شراء مواد التدفئة، بما فيها المازوت، يحاول معظم سكان المخيمات جمع الدواليب من البراري القريبة من الخيام، أو شراء الأحذية الأوروبية المستعملة، وهي جلدية تعطي دفء كبير للخيمة، وهناك قسم يعتمد على بقايا النفايات وأكياس النايلون والأقمشة والتي بدورها تعطي دفء إلا أنها خطيرة بحسب جلسات التوعية التي تقدمها لنا فرق الدفاع المدني”.

 

دور المنظمات في تفادي الحرائق

كانت مساعدة المنظمات العاملة في المجال الإنساني خجولة بالنسبة للعزل وتقديم الخيام الآمنة، فكل نازح اعتمد على قدرته المالية في الحصول على الخيمة، فمنهم من صنع خيمته من الأغطية القماشية الرقيقة، ومنهم من صنعها من أكياس النايلو المستخدمة لحفظ الأعلاف وغيرها.

وعن هذا المجال قال عمر شبيب: “تواصلنا مع العديد من المنظمات لطلب المساعدة أو تقديم خيام أو عزل لها، إلا أن الإجابات كانت متفاوتة وجميعها بعدم قدرة المنظمة على الاستجابة وأن العزل ليس من اختصاصها، فمنظمة وطن لم تستجب للحالات الطارئة، أما منظمة GOOL، فقالت إن مجال عملها في المخيمات المبنية وليس في الخيام، فيما كانت مساعدة الدفاع المدني هي الأكبر بين جميع المنظمات، لما قدمته من مساعدة المدنيين وتقديم جلسات توعية وطفايات للحرائق رغم نقص عددها”.

 

نصائح طبّية

يتابع الأطباء تقديم نصائحهم لتجنب استخدام مواد التدفئة البديلة الضارّة بالصحة.

يقول الطبيب عبد الرؤوف حاج يوسف لـ “بوابة سوريا”: “إن التدفئة على المحروقات الحالية المستخرجة بطرق بدائية، لها أضرار صحية وخطيرة خاصة على الجهاز التنفسي، وعلى وجه الخصوص في الأماكن سيئة التهوية والمكتظة بالناس كالمخيمات، موضحًا أن أول ضحايا هذه المواد هم المصابون بالأمراض التنفسية كالربو والتهاب المزمن ومرضى التليّف الرئوي.

وأضاف حاج يوسف، أن التعرض لهذه الأدخنة والمواد المنبعثة عن تلك المواد، لها تأثير مسرطن على المدى الطويل، لأنها تؤدي لحدوث ربو حاد والتهاب قصبات مزمن أو انسدادي.

وللتقليل من خطورة تلك المواد ينصح باستخدام مدافئ مخصصة للفحم أو الحطب، وتكون محكمة لا تسمح بتسرب الدخان داخل الخيمة، كما يجب تهوية الغرفة أو الخيمة كل ربع ساعة ومنع اكتظاظ أعداد كبيرة بداخلها.

ونصح الطبيب أيضًا، بالابتعاد عن استخدام الدواليب والنايلون لأنها مواد مضرة بشكل كبير في الجو، واستخدام أنواع جيدة من المحروقات ومكررة بشكل أفضل لتفادي الأمراض التنفسية المزمنة.

وتستمر الأوضاع الإنسانية السيئة لسكان المخيّمات في شمال سوريا، وتتفاقم خطورتها مع تراجع في الأوضاع الاقتصادية وضعف القوة الشرائية لدى أغلب سكانها، بعد النزوح الأخير من أرياف حماة وإدلب وحلب، والتي كانت أولى مخاطرها الحرائق المتتالية التي ظهرت في الفترة الأخيرة.

مصدر الصوورة: الدفاع المدني السوري

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments