دولة
صاغ الرئيس حافظ أسد في العام 1973 دستوراً يعطي منصب الرئاسة صلاحيات قيصرية مطلقة في إدارة الحكم في سورية. وتم تفصيل الرئاسة على قياسه الشخصي، أعطاه سلطة خارج أي مراقبة أو محاسبة، فهو يحاسب ويراقب الجميع دون أن يحق لأحد ليس محاسبته فحسب، بل حتى لا يحق لأحد انتقاده أيضاً، لأن هذا الانتقاد يكلف صاحبه سنوات طويلة في السجن دون محاكمة. كل هذا رفع الرئيس إلى مرتبة المقدس ونسبت سورية إليه، بدل أن ينتسب إليها، فأصبحت «سورية الأسد» وهو ما جعله متعاليا على البلد والشعب. وكون البلد أقل من كفاءته في إدارة حكم، فقد كان يستخسر نفسه في سورية، ويحتقر البلد لأنها بلد صغير وضيق عليه، وهذا ما تجلى في وصيته بأن يدفن في مسقط رأسه القرداحة بدل أن يدفن في دمشق عاصمة البلد التي حكمها ثلاثين عاماً، وجعل النظام كل السوريين يحجون إلى قبره هناك في قريته النائية لإعلان الولاء لجثة «الرئيس الخالد»، بوصفه «قائدا للأبد» حتى وقد غيبه الموت، وليس من المبالغة القول أن البلد وبعد أكثر من عشرين عاماً من وفاته، ما زالت محكومة بجثة حافظ أسد وبالنظام السياسي الذي بناه وجعل البلد مقيدة إلى روابط غير مرئية وغير مؤسسية تتحكم بالبلد وتحتجزه وتقطع عليه أي تقدم.

لم يكتفِ الأسد الأب بالصياغات القانونية لسلطة استبدادية عبر دستور العام 1973، فقد تم القبض على البلد بيد من حديد في الإمساك بالسلطات الأخرى والتحكم بها بشكل تفصيلي، فحافظ الأسد المتآمر الرفيع، لا يترك شيئا للصدفة. فمع الإبقاء على الهياكل الشكلية لمؤسسات الدولة (مجلس شعب، مجلس وزراء، أركان الجيش، إدارة محلية.. الخ) تم تفريغها من أي سلطة فعلية، وأحيلت كل السلطات (صغيرها وكبيرها) إلى مكان وحيد وهو القصر الجمهوري، سلطة غير مشرعنة لكنها محسوسة في كل أنحاء الحياة العامة والشخصية في سورية الأب. فمن المعروف أن الوزارات السورية كانت تدار من مكاتب ملحقة بالقصر الجمهوري، وأن صلاحيات الوزراء هي صلاحيات شكلية ليس إلا، فهم يقومون بتنفيذ التعليمات التي تأتيهم من مكاتب القصر الجمهوري. وكان المثال الأبرز لتفريغ المؤسسات من مضامينها، هو تفريغ مؤسسة الجيش من نظامها القيادي التراتبي، وإلحاقها بنظام صارم من التحكم المخابراتي الأمني ذو الصبغة الطائفية المرتبطة برأس النظام بالولاء والوجود. بمعنى آخر، لا تقود الأركان السورية الجيش السوري، كما لا يقود الضباط قادة الفرق أو الألوية أو الكتائب الوحدات التي يقفون على رأسها، إنما تدار عبر وحدات أمنية استخباراتية تخترق الجيش أفقياً وعمودياً، وهو ما جعل كل خيوط التحكم في الجيش تلتقي في القصر الجمهوري. حتى على مستوى الجهاز الأمني، لم يكن هناك مرجعية واحدة، الفروع التي تتبع وزارة الداخلية، مثل الأمن الداخلي والأمن السياسي، لا سلطة لوزير الداخلية عليه، مع أنه يفترض أنها تتبعه، السلطة على المخابرات تعود إلى مكان آخر. كذلك الفروع التي تتبع إلى شعبة الاستخبارات العسكرية، مثل فرع فلسطين والتحقيق العسكري وفرع المنطقة وفرع المخابرات الجوية.. الخ  خيوطها تذهب إلى القصر الجمهوري أيضاً وليس إلى أركان الجيش. إن تفريغ الجيش من أي آليات قيادية فعالة، كان الإنجاز الأكبر للأسد الأب، وهذا ما ظهرت نتائجه في انشقاقات العسكريين التي ظهرت في ظل الثورة السورية، فعلى الرغم من انشقاقات الضباط الذين يعدون بالمئات عن النظام السوري، إلا أن أي من هؤلاء الضباط لم يستطع الانشقاق مع وحدته بأسلحتها، إنما كانت انشقاقاتهم كلها فردية، وهذا مؤشر على مستوى التفريغ الذي تعرض له الجيش في زمن الأسد الأب ومن بعده الابن، وتحويلها إلى إطار هيكلي فارغ وخادم أمين وخاص للعائلة الحاكمة.

 ما جرى في الجيش من فك وتركيب جرى في كل المجتمع، من تصعيد شخصيات هامشية إلى مواقع مركزية في الاقتصاد والسياسة والمجتمع، ولا شك بأن الأسد الأب كان موهوباً في اختيار الشخصيات التافهة اللا طموحة في إدارة البلد والعمل عبيد عنده شخصياً، لذلك ليس غريباً، أن ترى صورة الأسد الأب متماسكاً ومبتسماً وقت وفاة ابنه باسل، في الوقت الذي يبالغ رئيس الوزراء وقتها محمود الزعبي والوزراء في بكاء هستيري.

يُذكر النظام رعاياه الذين استولى على حياتهم كما استولى على البلد، أن مصيرهم بيده، ليس بشأن الحرية والاعتقال فحسب، بل وبشأن إمكانية الاستمرار في الحصول على وسائل العيش. ففي الاعتقال، كان الدرس الذي علمه الأسد الأب للبلد، أن المعارضة تعني البقاء في السجن حتى الموت، وهذا كان مصير صلاح جديد ونور الدين الأتاسي وغيرهم شركائه السابقين في السلطة، الذين قضوا سنوات طويلة جداً في السجن دون محاكمة، توفي الأول في السجن، وأخرج الثاني من السجن بعد أن فتك به السرطان ليتوفى بعد أشهر قليلة في مشفى فرنسي. جرَّف القمع الوحشي الحياة السياسية السورية من أي معارضة، وحوله إلى صحراء قاحلة، لقد قطع سيف الأسد الأب رأس السياسة في سورية. ولأن النظام لم يعرف الشفقة مع المعارضين مهما كانت هذه المعارضة متواضعة، فقد كان استئصالها هو هدف النظام. لم يكتفِ النظام بهذا الاستئصال، فقد كان على المجتمع الذي تم تفريغه إثبات الولاء المرة بعد الأخرى، سواء عبر موضة المسيرات المليونية التي جابت كل المحافظات السورية أواسط الثمانينات من القرن الماضي، أو عبر الاستفتاءات الـ 100 % وعبر الاستفتاء بالدم على الولاء «للرئيس الخالد»، فهو الطبيب الأول والمهندس الأول والمحامي الأول والفلاح الأول.. الخ فهو كل شي في البلد، ولذلك باتت معالم البلد لها تسميات ساخرة، جسر السيد الرئيس حافظ الأسد، مشفى الأسد الجامعي، معهد الأسد لتحفيظ القرآن.. الخ والفائض يسمى باسم الابن الشهيد الذي استشهد في حادث سير. وتم تدعيم هذا الاحتلال على مستوى الرموز بالبلد، بتوزيع عدد كبير من تماثيل على محافظات سورية لاحتلال ما تبقى من فضائها، حتى أن هذه التماثيل كانت في غاية البشاعة، وليس فيها أي لمسة فنية، ومن يريد أن يعرف مستوى بشاعة هذه التماثيل، عليه أن يرى تمثال حافظ الأسد المنصوب في وسط مدينة دمشق في ساحة عرنوس.

كل سوري كتب عشرات التقارير الأمنية عن نفسه لأجهزة الأمن، عندما يسجل الطالب في الجامعة عليه أن يكتب تقريراً استخبارتياً عن نفسه، وعندما يتقدم إلى وظيفة يكتب تقريراً عن نفسه، وعندما يتقدم بطلب رخصة لمحل لبيع الفلافل عليه أن يكتب تقريراً عن نفسه.

استباحة حياة السوريين كان العمل الرئيسي للنظام الأسدي، فليس البلد ملك الرئيس فحسب، بل والرعية تدين بحياتها لكرم الأسد، فأي زيادة في الرواتب هي منحة من السيد الرئيس، كأنه يقدمها من ماله الخاص ويعطيه إلى الشعب المسكين، وبما أن البلد وما عليها ملكه، فالشيء الطبيعي أن يمنّ على الشعب لا بزيادة الراتب فحسب، بل ويمنّ عليهم بأنه يقبل بحكمهم أيضا. وكما الأسد الأب، اليوم يمن الأسد الابن على السوريين بأنه يقبل بقتلهم.

مصدر الصورة: فليكر 

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments