بعد تسعة أعوام على اندلاع الثورة السورية، بات ثمة مسائل كثيرة تستحق المراجعة، سيما بعد التجربة، أي بعد كل تلك التضحيات والعذابات، وبعد إخفاق عديد من الخيارات، وبعد ظهور عديد من الأسئلة الجديدة التي أضحت تطرح نفسها في الواقع الجديد، أو الواقع المتشكل، بعد كل تلك التجربة الباهظة والمأساوية والصعبة، بإشكالياتها ومداخلاتها والمعطيات أو التداعيات الداخلية والخارجية التي نشأت عنها.

بيد أنه في معرض مراجعتنا، أو نقدنا، لتلك التجربة يفترض أن نأخذ في الاعتبار المسائل الآتية:

أولا، التمييز بين مجموعة بشرية، تشكلت في كيانات سياسية وعسكرية ومدنية، وعبرت عن ذاتها بهذه الطريقة أو تلك، بهذا الخطاب أو بغيره، وبين الثورة السورية، كحالة فعل عفوية وشعبية، وكحالة استجابة لضرورة التغيير والعدالة والتطور السياسي. بمعنى أن المطلوب إدراك التمييز بين المعارضة المتصدرة، في مواقفها وسلوكياتها ونمط عملها وعلاقاتها وطريقة إدارتها للصراع، وبين الثورة في مشروعيتها ومقاصدها العادلة والنبيلة.

ثانيا، إن الحديث عن المعارضة يتعلق هنا بالطبقة السياسية التي تصدرت الثورة، وتحكمت في مساراتها وخطاباتها، بيد أن ذلك لا يقلّل من أخطاء، أفراد أو كيانات، رأت أن الأجدى لها النأي بنفسها عن كل ما يحصل، لأنها حتى في ذلك تتحمل بعض المسؤولية عما حصل.

 ثالثا، في غضون كل ذلك يفترض التمييز، أيضا، بين الأخطاء الناجمة عن الواقع الموضوعي، أو عن المعطيات المحيطة، أو عن المداخلات الدولية والإقليمية، بيد أن ذلك لا يحجب أو لا يبرر الأخطاء التي وقعت فيها المعارضة، بل وأصرت على الاستمرار بها، رغم الأثمان المدفوعة في تسعة أعوام، أي أن الحديث يتعلق بالحيز الخاص للجهات التي تصدرت الثورة أو المعارضة.

رابعا، مع كل ذلك يفترض أن نلاحظ أن التجربة السورية هي فريدة من نوعها، بمعنى أنها لم تستند إلى تجارب تاريخية سابقة، وإنها نشأت في ظل حرمان سياسي استمر لنصف قرن، وهو حرمان من المشاركة في الحياة السياسية والحرمان من العمل الحزبي، ومصادرة الرأي وانتهاك الحريات، في ظل نظام سلطوي شمولي، احتل الفضاء العام، بكل مجالاته ومؤسساته، هذا عدا عن الخلل في موازين القوى بين النظام والمعارضة.

بعد كل ذلك يمكن تحديد الأخطاء التي وقعت فيها المعارضة السورية في المجالات الآتية:

1 – منذ البداية تصرفت الجهات التي تصدرت المعارضة وكأنها تحتكر تمثيل السوريين، ليس فقط في مواجهة التشكيلات الأخرى المنافسة، بغض النظر عن نوعية هذه التشكيلات، وإنما في مواجهة قطاع واسع من الكوادر السياسية المجرّبة، والمثقفين المعارضين، والنشطاء الذين حملوا الثورة في بداياتها، بحيث بتنا إزاء كيان مغلق، تحتكره مجموعة أو مجموعات معينة، بدون أي سند شرعي أو شعبي أو كفاحي.

2 – منذ البداية لم تنتبه المعارضة السائدة إلى أخطار تبديد الهوية السياسية للثورة، بسبب التلاعبات الخارجية بها، وبحكم ضعف بنيتها السياسية، وبواقع غلبة نفوذ الجماعات العسكرية، المتعدّدة الاتجاهات والولاءات، والتي أخذت الثورة الى خطابات أخرى. وكان يفترض بالمعارضة، وهذا مبرر وجودها، أن تكون أكثر حرصاً على التمسك بخطاب الثورة، وتوضيح ماهيتها، باعتبارها ثورة ضد الاستبداد ومن اجل الديموقراطية وإقامة دولة المؤسسات والقانون والمواطنين، واعتبار سورية لكل السوريين. طبعاً، ليس القصد هنا أن المعارضة غيرت خطابها، بل القصد أنها سكتت عن خطابات الجماعات العسكرية المتطرفة، ذات الطابع الطائفي والديني، التي هيمنت على المشهد، وهو ما أفاد النظام.

3 – لم تبدِ المعارضة الانتباه اللازم لأخطار تفريخ الجماعات العسكرية المتوزعة الولاءات، ولا لأخطار تصعيد الصراع المسلح، فوق الإمكانيات وفوق القدرة على التحمل، وبمعزل عن فكرة الدفاع عن النفس أو التطور في أحوال الثورة ذاتها وأحوال مجتمعها. وما أضعفَ موقفَ هذه المعارضة أنها بدت منقطعة الصلة بالجماعات العسكرية، وغائبة تمامًا عما يعرف بالمناطق المحررة، التي لم تستطع فتح مكتب فيها، وهذه معضلة أخرى.

4 – كشفت تجربة المناطق المحررة إخفاقاً كبيراً، إذ لم تنجح فصائل المعارضة العسكرية المسيطرة في إدارة أحوالها، ولا في التسهيل على الثورة، فضلاً عن إنها خسرت في الصراع على النموذج مع النظام. ومع معرفتنا بعدم علاقة المعارضة بهذه المناطق، التي باتت بمثابة إقطاعات لجماعات عسكرية، إلا أن مسؤوليتها تكمن في عدم نقد هذه الظاهرة، وسكوتها عنها، لكسب رضى القوى المهيمنة، والمشكلة أن هذا الوضع انسحب على السكوت على فضيحة تسليم تلك المناطق للنظام، مع تسليم الفصائل المسلحة لمستودعات سلاحها وذخيرتها وحتى تموينها في اتفاقات مذلة، وهذا يتعلق أيضا بالانسحابات من حلب وفي عديد من المناطق، والتي شملت فيما بعد الجنوب والوسط والغوطة وجنوبي دمشق وصولا الى الانسحابات من أرياف حلب وحماه وإدلب، كما شهدنا في الأشهر القليلة الماضية.

5- لم تدرك المعارضة جيداً الأخطار الكامنة وراء تشرد ملايين السوريين، ونزوحهم إلى مناطق أخرى، أو تحولهم إلى لاجئين في البلدان المجاورة أو في بلدان العالم، إذ أن ذلك اخرج السوريين من معادلة الصراع، وحرم الثورة من البيئات الشعبية الحاضنة، وسهّل على النظام، فضلاً انه حوّل القضية السورية الى قضية إنسانية أو قضية لاجئين.

6 – في علاقتها مع ما يسمى «معسكر الأصدقاء»، يؤخذ على المعارضة ضعف حساسيتها إزاء التدخلات والإملاءات الخارجية، في تحديد خطاباتها وأشكال عملها، وحتى لجهة تواجد ممثلين لبعض الدول في بعض اجتماعاتها، وذلك في غمرة اعتمادها على الخارج وارتهانها له، لا سيما بعد التحول الى العمل المسلح، من دون ملاءمة ذلك مع مصلحة السوريين وأولوياتهم، علماً أن الدول لا تعمل كجمعيات خيرية، وإنما وفق رؤيتها لمصالحها ولدورها الإقليمي وللنموذج الذي تريده، وهذا ينطبق على الفصائل التي ظلت تستجيب للأجندة التركية، سيما في عمليات درع الفرات وغصن الزيتون ونبع السلام، على حساب أجندات أو مصالح الشعب السوري وثورته.

7 – ظلت المعارضة السورية طوال الفترة الماضية تتحرك وفقاً لخطاب المظلومية، ووفقاً لنزعة تطالب الدول الغربية بالقيام بما عليها لنصرة الشعب السوري، إن بإيجاد مناطق آمنة، أو مناطق حظر جوي، أو بوضع حد للقصف بالبراميل المتفجرة، لكنها لم تنتبه إلى أن خطاب المظلومية والحق والعدالة لا يكفي لتعاطف العالم، بدليل تجربة الفلسطينيين. والحال فإن الدول تشتغل على أساس المصالح وموازين القوى، لذا ربما كان الأجدر بالمعارضة أن تشتغل على بناء ذاتها، وتعزيز هيئاتها وأن تحافظ على خطاباتها المتعلقة بالحرية والديموقراطية والمساواة والمواطنة، التي تنسجم مع القيم العالمية، كي تكسب ثقة هذه الدول واحترام مجتمعاتها.

8 ـ فيما يخص المسألة القومية لم تستطع المعارضة إنتاج خطاب يعزز الثقة بين مكونات الشعب السوري، الأثنية والدينية والمذهبية، سيما مع سيادة الخطاب الطائفي ـ الديني، الذي عنى أنها تأثرت بخطاب النظام، أو استدرجت إليه. ومثلاً ففي القضية الكردية تبنت الموقف التركي، ولم تتعاط مع المسألة الكردية في سوريا بوصفها مسألة سورية، والمسألة الكردية في تركيا بوصفها مسألة تركية، ولم تجمع في خطابها بين حقوق المواطنة والحقوق الجمعية “القومية” للكرد بوصفهم جزءاً من أمة أكبر (مثل الأمة العربية).

9 ـ عدم قيام المعارضة، حتى الآن، بما عليها لتنظيم وتعبئة مجتمعات السوريين في الداخل وفي بلدان اللجوء، بل إنها لم تقم أية هيئات منظمة، حقيقية وفاعلة، تنشط في أوساط تجمعات اللاجئين السوريين في البلدان الأوروبية، مع وجود انتخابات أو من دونها، ناهيك عن غياب نشاطات منظمة في مجتمعات هذه البلدان.

10 ـ فقدت المعارضة استقلاليتها بسبب اعتماديتها على هذه الدولة أو تلك، في كل شيء بما في ذلك في النفوذ السياسي، وفي بناء الكيانات وحتى في اتخاذ القرارات.

ثمة كثير من النقد يطاول التجربة السورية، لكن المشكلة أن ذلك لا يتزامن مع قيام خطوات عملية لتجاوز هذا الوضع ببناء كيان جمعي للسوريين، واستعادة المقاصد الأساسية للثورة السورية، مع علمنا أن النقد لا يضعف من صدقية الثورة السورية، ولا من مشروعيتها، كثورة من اجل الحرية والكرامة والعدالة والمواطنة.

مصدر الصورة: فليكر 

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments