يقول تقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) حول الأوضاع في سوريا: “إنه في حالات النزاع يكون الأطفال ذوو الإعاقة من أكثر الفئات “هشاشة”، وإن العديد من هؤلاء الأطفال يواجهون خطرًا حقيقيًا بالإقصاء والإهمال والوصم مع استمرار هذا النزاع الذي لا ينتهي””.

وتؤكد يونسيف في تقريرها الصادر في العام 2018/ تعرّض ما يقدر عدده بـ3.3 مليون طفل داخل سوريا لمخاطر المتفجرات بما في ذلك الألغام الأرضية والذخائر غير المنفجرة والأجهزة المصنعة بشكل مُرتجل.

في هذا التقرير، تقف “بوابة سوريا” عند حال الأطفال من ذوي الإعاقة في الحسكة وريفها، وترصد أبرز مشاكلهم في ظل التهميش ونقص الرعاية التي من المفترض أن تقدّم لهم.

 

ضحية الإهمال والتهميش

الطفل “عمر بزيم” يعاني من مرض التوحد أو ما يعرف بـ (الذاتوية)، وبالرغم من صحته الجيدة إلا أن “تحسنه بطيء” بسبب الصعوبات العديدة التي تواجه هذا الطفل، البالغ من العمر ستة أعوام ونيف، من عدم توفر الجو المناسب وأسباب أخرى تتطرق إليها والدة عمر.

وتقول والدة عمر في حديثها لـ”بوابة سوريا“: “إن طفلها يرتاد مركز الشهيدة “رنكين” لذوي الإعاقة في مدينة الحسكة، ورغم الجهود “المبذولة والمشكورة” من القائمين على المركز إلا أن إمكانياته محدودة ويفتقر للجو المناسب لاحتواء كافة الحالات”.

وتضيف أم عمر: “يتوفر في مركز رنكين وسائل ترفيهية وتعليمية تساعد الأطفال من ذوي الإعاقة على الاندماج أكثر بالمجتمع، لكن جميع الحالات المتباينة والأعمار المختلفة في المركز ذاته دون تخصيص أقسام بحسب كل حالة، ما يشكل عائقًا يضاف إلى معاناتهم بشكل عام، ومن بينهم طفلي عمر.”

أما الطفلة “لجين عبد الله” البالغة من العمر ثمانية أعوام، تعاني من “ضمور في الدماغ” ولا تجد المناخ الملائم للرعاية الطبية لحالتها هذه، في ظل الأوضاع المادية الصعبة التي تعيشها أسرة لجين.

وتشتكي والدة لجين من سلوكها “العدواني” وتدهور حالتها يومًا بعد آخر، حيث تقول لـ “بوابة سوريا“: “الطبيبة المختصة وصفت أدوية بقيمة 30 ألف ليرة سورية شهريًا، ونحن لا نمتلك مثل هذا المبلغ بشكل دوري، وطبعًا هذه الأدوية لا تعالج لجين بل تمنع تفاقم الحالة لا أكثر”.

وتحاول والدة لجين التواصل مع المنظمات والجمعيات الإنسانية العاملة في المنطقة بهدف مساعدتها في تأمين الأدوية اللازمة لطفلتها، وتتابع حديثها قائلة: “توجهت إلى العديد من المنظمات والجمعيات الحكومية وغير الحكومية لكن دون جدوى، أشعر بألم شديد عندما أرى طفلتي بهذه الحالة وأنا مكتوفة الأيدي”.

 

مراكز تأهيل بإمكانات محدودة

مركز الشهيدة “رنكين” لذوي الإعاقة في مدينة الحسكة، واحد من المراكز القليلة الموزعة على جغرافية شمال شرق سوريا، والتي تتبع للإدارة الذاتية وتتلقّى دعمًا مباشرًا منها.

يحتوي مركز “رنكين” الذي تأسس قبل نحو عام، أكثر من 22 طفلاً من ذوي الإعاقة، من التوحد ومتلازمة داون وغيرها من الإعاقات السمعية والحركية، بحسب الإدارية في المركز، ناريمان جلو.

وتؤكد “جلو” في حديثها لـ “بوابة سوريا” أن عدد المسجلين الفعليين هم 58 طفلًا، إلا أن الملتزمين بالدوام فعليًا عدد 22 طفلًا، مشيرةً إلى سن القبول الذي يتراوح بين 4 – 12 عامًا.

ويحاول المركز تأهيل ودمج الأطفال من ذوي الإعاقة مع الأطفال الآخرين من خلال تقديم برامج تعليمية وترفيهية، في خطوة تزيد من ثقتهم بنفسهم وتساعدهم على تقبل الإعاقة وتجاوزها، بحسب جلو.

وحول الصعوبات التي تواجه المركز تقول جلو: “مساحة المركز ضيقة، ولا تتوفر الوسائل التعليمية الملائمة لكافة الحالات الموجودة، إضافة إلى عدم تعاون بعض الأهالي في متابعة أطفالهم من ذوي الإعاقة، كل ذلك يشكل تحديات كبيرة أمام تحسن واندماج الأطفال في المجتمع بأسرع وقت.”

 

غياب الحلول

ويرى الدكتور برزان سليمان، إخصائي نطق وتخاطب، أن هذه الشريحة (الأطفال من ذوي الإعاقة) في تزايد مستمر بسبب الظروف البيئية والضغوطات النفسية التي تتعرض لها المرأة الحامل خلال السنوات الأخيرة، موضًحا أن محاولة احتواء هذه الشريحة وتأهيلها بعيدة كل البعد عن المطلوب على حد تعبيره.

كما يؤكد سليمان أن مراكز التأهيل “القليلة جدًا” تفتقر إلى الخبرات للنهوض بهذه الشريحة ودمجها بالمجتمع.

ويتابع: “من جملة الصعوبات التي تواجه الأطفال من ذوي الإعاقة هي قلة الموارد أو المعينات (وسائل أو أجهزة خاصة بالأشخاص من ذوي الإعاقة) التي يمكن لقسم من هذه الشريحة الاعتماد عليها مثل المعينات الحركية أو السمعية للذين يعانون من هذه المشاكل، حتى أن أسعارها باهظة وخيالية بالنسبة لدخل معظم عوائل هؤلاء الأطفال”.

ويحذر سليمان من توسع شريحة الأطفال من ذوي الإعاقة بسبب غياب العمل الجاد وتهميش هؤلاء الأطفال بشكل أو بآخر، موجهًا نداءً إلى المنظمات الإنسانية والجهات الحكومية للاعتناء بهذه الفئة ودمجها بالمجتمع.

ويقترح سليمان حلولًا “وقائية وعلاجية” لاحتواء الأطفال من ذوي الإعاقة قائلًا: “من الناحية الوقائية ينبغي تكثيف الندوات والورش في هذا المجال من أجل نشر الوعي لتخفيف حدوث مثل هذه الحالات، وبالطبع ليس الحد منها لأن تزايد هذه الشريحة مرتبط بعدة عوامل بيئية ونفسية وغيرها، أما من الناحية العلاجية يجب زيادة عدد مراكز التأهيل تحت إشراف أطباء ومشرفين أخصائيين وذوي خبرة في هذا المجال، إضافة إلى التنسيق المستمر مع أسر هؤلاء الأطفال للوصول إلى الهدف بدمجهم في المجتمع.”

 

قصص نجاح

وبالرغم من الصعوبات والتحديات الجمة التي تواجه هؤلاء الأطفال من ذوي الإعاقة، لكن الأمر لا يخلو من تجاوز بعضهم لهذه المحن في إشارة واضحة إلى بريق أمل يلوح في الأفق، حيث يؤكد كلًا من الدكتور سليمان والإدارية جلو على تغلب بعض الحالات على الإعاقة واندماجهم بالمجتمع.

وبحسب جلو أن أحد الأطفال يدعى محمد كان يعاني من “توحد عالي الأداء” (اسبرجر)” تحسنت حالته بعد الاهتمام الذي تلقاه في المركز وبفضل متابعة أهله، وهو الآن يرتاد مدرسة للتعليم الأساسي في حي الصالحية بمدينة الحسكة.

أما الدكتور سليمان يروي كيف أن فتاة تبلغ من العمر 17 عاما كانت تعاني من ارتخاء عضلي كامل تسبب لها بفقدان النطق، تجاوزت الإعاقة بعد تخفيض الجرعات الدوائية، بالتنسيق بينه وبين والطبيب العصبية المختص، والمواظبة على العلاج الفيزيائي على مدار ثلاثة أشهر.

ويستمر الدكتور سليمان بالقول: “تعتبر هذه الفتاة طفلة بالنسبة لحالتها هذه، لكن بفضل إرادتها والعمل المستمر والصحيح تمكنت من النطق بشكل سليم، وبدأت بمزاولة عمل وظيفي في مؤشر واضح على الاندماج في المجتمع”.

guest
1 تعليق
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
trackback

[…] ظل شح الاهتمام الدولي بذوي الإعاقة السمعية، تطوّع أشخاص في ريف حلب الغربي بشكلٍ فردي، لإنشاء […]