تقع مدينة أوغاريت المتعارف عليها باسم “رأس شمرا” على بعد 15 كيلومترا شمالي مدينة اللاذقية غرب سوريا. إكتشفت صدفة عام 1929 عن طريق فلاح علق محراثه بقبر يمتلئ بالسيراميك، لتبدأ بعثة فرنسية برئاسة عالم الآثار الفرنسي “كلود شيفر” بالتنقيب داخل الموقع حتى عام 1982.

وبقي مكان المدينة مجهولا لفترات طويلة، حيث ورد ذكرها في مخطوطات تل العمارنة وبعض رسائل ملوكها إلى الفراعنة، وعقب اكتشافها وأعمال التنقيب المتتالية كشف النقاب عن هذا المرفأ الكنعاني الكبير على حوض البحر المتوسط التي دمرت عام 1186 قبل الميلاد على يد شعوب البحر.

تاريخ المدينة 

يعود تاريخ المدينة للعصر الحجري الحديث 6500 قبل الميلاد، وهي إحدى مدن الشرق الأدنى القديم، وكانت في ذلك الوقت تعتمد على صناعة النحاس حتى بداية الألفية الرابعة. شهد الموقع تطورا هاما حوالي العام 300 قبل الميلاد، عندما تحولت لمدينة محصنة، لكنها لم تشهد ازدهارا حقيقيا حتى بداية الألف الثاني قبل الميلاد، وذلك عندما وصل الأموريين الذين اشتهروا بصناعة البرونز.

وبفضل الموقع الإستراتيجي على الطرق التجارية البرية والطرق القادمة البحر المتوسط، واحتلت أوغاريت مكانة خاصة جعلت الكثير يطمع بالسيطرة عليها، لذلك قام ملوكها ببناء الحصون والأسوار، وكان موقعها السبب الرئيسي لغناها.

التجارة والأقتصاد

اعتمد سكان أوغاريت على زراعة الكروم والقمح وأشجار الزيتون وهذا ما شجع على تصدير النبيذ والزيوت، وكان ميناء المدينة مصدرا آخرا للمال، حيث استقبل السفن المصرية والكريتية المحملة بالمرمر والنحاس، كما وجد علماء الآثار اللازورد الأفغاني والعاج الهندي والعنبر من بحر البلطيق.

ويرى الباحثون أن مدينة أوغاريت أنشات علاقات بحرية مبكرة مع بحر إيجة وازدهرت التجارة في كلا الجانبين، واغتنت لتنافس باقي المدن المجاورة وفي بعض الأحيان تجاوزت أخواتها المدن الكنعانية. إذا اخترنا أن نتناول موضوع هذه المدينة لنتحدث عن دورها الرائد في القطاع البحري والتبادل التجاري وعن دورها الثقافي وخاصة أبجديتها، لكن لا نستطيع أن نلقبها “بالفينيقية” بل “الكنعانية”، فمن الممكن الاعتبار أن أوغاريت كانت المحرضة لمستقبل المدن الفينيقية ونشاطها وانتشار مراكزها التجارية. فذكر أحد المؤرخين: “يبدو أن أوغاريت كانت قوة سياسية بحرية منافسة لميسيناي ومنذرة للشركات الكبرى الفينيقية من صور وصيدا.

أهم المكتشفات

عثرت البعثة الفرنسية خلال فترة التنقيب على رقم فخارية وأنصاب حجرية وأسلحة حمل جميعها كتابات فسرت علاقات أوغاريت السياسية والاقتصادية، هذه الكتابات كتبت بالمسمارية وتعرف اليوم باسم اللغة الأوغاريتية وهي من أعطت أوغاريت شهرتها العالمية، حيث كان الشرق القديم قبل هذا النمط من الكتابة يعرف نوعين من الكتابة، الأولى هي الطريقة الهيروغليفية أي الصورية، وكل إشارة فيها ترمز إلى كلمة بكاملها أو إلى مقطع صوتي، واستعملت في مصر خاصة. أما الطريقة الثانية فهي الطريقة المسمارية المقطعية وكل إشارة فيها ترمز لمقطع صوتي، وقد راجت أولاً في بلاد الرافدين ثم انتشرت في بقاع أخرى. وأظهرت الحفريات اثني عشر رقيماً من رقم «الأبجدية»، وهي رقم تحمل أحرف أبجدية أوغاريت الثلاثين بالترتيب الشائع في ذلك العصر، وهو الترتيب نفسه في الألفباء اليونانية وحروف الهجاء العربية. 

ومن الاكتشافات الهامة القصر الملكي المبني من الخشب والطين بمساحة كبيرة تعادل عشرة آلاف مترمربع، والمؤلف من عدة ساحات وقاعة العرش وغرف صغيرة كانت تستخدم لحفظ الوثائق. 

تنظيم المدينة المعماري

رغم الوقت الطويل من التنقيب إلا أنه لم يتم الكشف سوى عن ثلث الموقع، فيما لايزال باقي المدينة مدفونا تحت التراب، إلا أن ذلك أعطى فكرة عن التخطيط المعماري والتنظيم الإداري للمدينة، شمال المدينة هنالك مايعرف بحي القصور يتقدمه للغرب بناء محصن شيد لحمايته، بالإضافة لبرج ضخم وغرف للحرس، فيما يقع القصر الملكي في صدر الحي يجاوره قصر آخر يدعى القصر الجنوبي، إلى الشرق من حي القصور حي سكني ذو منازل واسعة وفي وسط الموقع ظهر حي آخر ومعصرة للزيتون ومعبد صغير.

في الاكربول وهي المنطقة المرتفعة من المدينة ظهر معبد الإله بعل ومعبد الإله دجن ومساكن وشوارع ضيقة، أما القسم الشرقي الجنوبي من المدينة كان مخصص للتجار والحرفيين حيث ظهرت الكثير من الحوانيت.

وكشف التنقيب عن تصميم المباني في أوغاريت التي كانت تتألف من طابق أرضي خاص للخدمات المنزلية وحفظ المؤن، وطابق علوي كان معدا للسكن، وتتضمن المباني مجارير الصرف الصحي فيما كانت المقابر تحت المنازل والقصور ينزل إليها بدرج يقود إلى قبر مبني  من الحجارة الكبيرة.

مصدر الصورة:ويكيميديا

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments