ألقت العمليات العسكرية التي تشنّها قوات الأسد وحليفها الروسي على قرى جنوب إدلب بثقلها على كافة مناحي الحياة اليومية، لتصل القطاع التعليمي وتعطّل العملية التعليمية في أغلب مناطق المحافظة.

ومع ارتفاع وتيرة القصف، تهجير آلاف الطلاب من مدنهم وقراهم باتجاه المناطق الشمالية، وتعرضت الكثير من المنشآت التعليمية للقصف ما أدى إلى خروجها عن الخدمة بشكل كامل أو جزئي، الأمر الذي شكل ضغطًا كبيرًا على مدارس الشمال التي لم تتضرّر، وأدى أيضًا إلى ارتفاع أعداد الطلاب ضمن المدرسة الواحدة.

 

الأطفال هم الضحيّة

في خيمة تغص بأفراد عائلته ومتاعه الذي نقله معه من النيرب يسعى أبو محمد للمتابعة مع أولاده في تحصيلهم الدراسي، فقد ابتعدوا عن المدرسة بشكل كامل بعد وصولهم إلى المخيم نتيجة افتقار المخيم  لأي مدرسة.

يقول أبو محمد لـ “بوابة سوريا“: “تعرضنا للتهجير منذ أكثر من شهر ونصف وفقدت الأمل بالعودة إلى بلدتي، ولا أريد أن ينعكس التهجير على المستوى التعليمي للأولاد لاسيما أن أطفالي في مراحل التعليم الأولى، وابتعادهم عن المدرسة قد يشكل عاملًا في نسيانهم مبادئ الكتابة والحساب التي تعلموها”.

يأمل أبو محمد بالانتقال لمكان آخر لتسجيل أولاده فيه، لكنه مصمم على المتابعة معهم حتى عودتهم للمدرسة.

مدارس مدينة الدانا “شمال إدلب” تغص بالطلاب، رغم سوء الأوضاع الأمنية التي عاشتها المدينة مؤخرًا والتي دفعت المجمع التربوي لتعليق الدوام ضمن مدارسه، إلا أن حركة النزوح الأخيرة دفعت الكثير من الطلاب للتسجيل في أماكن نزوحهم الجديد حتى لا يضيع منهم العام الدراسي.

يقول المدرّس خالد العمر لـ “بوابة سوريا” : “إن وجود أعداد كبيرة من الطلاب في الصف الواحد أمر مرهق للمدرس وينعكس بشكل سلبي على الطالب، لكن أوضاع التهجير التي نعيشها تدفعنا لبذل جهد إضافي يمكننا من تجاوز العام الدراسي بأفضل النتائج”.

ويرى “العمر” أن ازدحام الصفوف المدرسية أمر سيئ من الناحية التعليمية لكنه أفضل بكثير من بقاء الطالب خارج المدرسة وانقطاعه عن الدراسة، غير أن الأمر يحتاج متابعة حثيثة من الأهل نتيجة استحالة متابعة جميع الطلاب من قبل المدرس.

وقرّر بعض طلاب الشهادات ترك المدرسة والتسجيل ضمن معاهد خاصة بهدف التحصيل العلمي الأكبر.

أسامة، طالب في الثالث الثانوي ترك الدوام في مدرسته وانتقل لمعهد خاص بسبب الازدحام الذي تعيشه مدرسته.

يقول أسامة لـ “بوابة سوريا“: “لا أريد أن أضيّع هذا العام نتيجة الأوضاع الأمنية، لذا قرر والديَّ دفع تكاليف إضافية وتسجيلي في معهدٍ خاص، حتى أتمكن من الحصول على فرصة حقيقية في التعليم، لأن وجودي ضمن المدرسة لن يمنحني هذه الفرصة نتيجة أعداد الطلاب الكبيرة في الشعبة الواحدة والتي تمنع المدرس من المتابعة مع الجميع”.

 

قصف المناطق الآمنة يعطل العملية التعليمية

في إدلب المدينة، تعطلت العملية التعليمية منذ مطلع الفصل الثاني، بسبب اقتراب قوات الأسد من المنطقة واشتداد العمليات العسكرية، حيث اختصرت التربية ساعات الدوام خوفًا من استهداف المدارس لمدة 3 حصص يومية فقط، قبل أن تصدر قرارًا بتعليق دوام المدارس نتيجة استهداف قوات الأسد لثلاث مدارس بالقنابل العنقودية، ما أدى لاستشهاد وإصابة عدد من المدرسين والطلاب.

تقول سناء وهي ربّة منزل وأولادها طلّاب: “أخشى من إرسال أولادي إلى المدرسة، وفي كثير من الأوقات أمتنع عن إرسالهم حين أشعر أن الأجواء الأمنية متوترة، الأمر الذي انعكس على دراستهم بشكل كبير” موضحةً أن استهداف المدارس الذي تكرر في أكثر من منطقة يدفعها للتفكير بشكل كبير قبل أن نتخذ أن تقرّر إرسالهم إلى المدرسة.

من ناحية أخرى أصدر “مجلس التعليم العالي” عدة قرارات تنص على تأجيل موعد الامتحانات الجامعية تماشيًا مع الأوضاع الأمنية في المحافظة وخوفا من استهداف الجامعة.

تقول سوزان، وهي طالبة في كلية التربية: “أثرت العملية العسكرية بشكل كبير على دراستنا لهذا العام، فقد قدمنا امتحانات العملي في ظروف سيئة جدًا، نتيجة النزوح الذي أصاب الكثير من المناطق، ما منع الطلاب من التحضير الجيد، الأمر الذي دفع الكثير من الطلاب للمطالبة بتأجيل الامتحانات، احترامًا للطلاب الذين تعرضوا للتهجير وخوفا من استهداف الجامعة”.

 

المدارس متوقفة لاستقبال المهجرين

كثافة النزوح الذي عانت منه إدلب دفع المنظمات والعاملين في المجال الإنساني لاستغلال أي بناء لإيواء المهجرين في هذا الشتاء، فتم الاعتماد على العديد من المدارس وتحويلها لمراكز إيواء ما حرم الكثير من الطلاب من مقاعد الدراسة.

وبلغ عدد المدارس المشغولة في إيواء المهجرين 253 مدرسة موزعة على مناطق إدلب وحارم وجسر الشغور بحسب مديرية التربية.

من جانبه يرى حسن الشوا معاون مدير تربية إدلب، أن العملية التربوية كانت الخاسر الأكبر نتيجة القصف والتهجير الذي تعاني منه إدلب.

ووثقت مديرية التربية توقف أكثر من 231 مدرسة في ريف إدلب الجنوبي والشرقي عن العملية التعليمية نتيجة القصف والتهجير، فضلًا عن المنشآت التعليمية التي تعرضت للقصف وخرجت عن الخدمة بشكل كامل أو جزئي حيث تمكن فريق “منسقو استجابة سوريا” من توثيق استهداف 170 منشأة تعليمية.

تلك الأحداث وغيرها انعكست بشكل سلبي على حياة الطلاب التعليمية وساهمت بشكل كبير في تسرب الطلاب من مدارسهم، حيث بلغت آخر إحصائية للطلاب المتسربين 210 ألف طالبًا وطالبة بحسب إحصائيات مديرية التربية لـ “بوابة سوريا”

من ناحية أخرى عملت بعض المنظمات الإنسانية على تنفيذ بعض المشاريع التعليمية لتعويض النقص الكبير في الكادر التدريسي والمنشآت التعليمية.

جمعية عطاء للإغاثة الإنسانية واحدة من المنظمات العاملة في الشمال السوري نفذت مؤخرًا مشروعًا تحت عنوان “مدرستي معي” بهدف دعم التعليم وإنشاء مدارس جديدة في المخيمات.

وقال عبد الرحمن الشردوب مدير التعليم والخدمات الاجتماعية في عطاء لـ “بوابة سوريا”: “جاءت فكرة المشروع بعد تهجير أهالي خان شيخون وريف حماة الشمالي، حيث لمسنا حاجة آلاف الطلاب النازحين ضمن المخيمات العشوائية للتعليم، وقمنا بإجراء دراسة لتقييم احتياجات المخيمات، والشرائح الأكثر حاجة للتعليم وبدأنا بإنشاء نقاط تعليمية لتدريس المرحلة الابتدائية في المخيمات الأكثر حاجة”.

يضيف الشردوب: “أنهينا منذ أيام إنشاء النقطة التعليمية الخامسة ونستقبل اليوم 1300 طالبًا وطالبة من الطلاب المنقطعين عن التعليم، في مخيمات أطمة ودير حسان وكفرلوسين، وتكمن أهمية المشروع في توفير عددٍ من المدارس لطلاب المخيمات ممن يصعب وصولهم إلى مدارسهم البعيدة

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments