كنت أنوي الكتابة عن فيلم “حرب خاصة” للمخرج “ماثيو هين مان” الذي يتناول في محوره الرئيسي قصة مدينة حمص وحي بابا عمرو و استهداف قوات نظام الأسد  المدنيين بالقصف الجوي والبري وحصاره لمن فيه من نساء وأطفال وتجويعهم جماعيا، من خلال سيرة ذاتية للصحفية ماري كولفن خصوصا أنه يصادف ذكرى مقتلها عام 2012  في حمص.

إلا أني آثرت التعريج أيضا على فيلم آخر “حياة خفية- A Hidden Life”  للمخرج تيرانس ماليك والفيلمان مستمدان من قصص حقيقية للتفريق بين أسلوبين سينمائين في تناول القضايا، أسلوب يعتمد الأكشن والكثير من العنف والجنس والحركة السريعة للكاميرا وتصاعد الأحداث وارتباطه بحدث بعينه كقصة خبرية، وأسلوب ثان يعتمد الهدوء والحركة الانسيابية البطيئة للكاميرا والكثير من المحتوى الفكري للقصة ويمكن مشاهدته دون ربطه بحدث معين في كل زمان.

فبعد مشاهدة الفيلم ينتابك شعور وأفكار متناقضة في تقييم الفيلم من حيث أنه قدم صورة واضحة وتعاطف مع الضحايا، الذين هم أبناء بلدك كمواطن سوري و ضحايا بشكل عام وإنساني أيما كانت جنسيتك أو انتمائك، فضلا عن الضحية المحورية في الفيلم ورفاقها أي ماري كولفين، التي قتلت مع بقية السوريين و لعنوان الاسم دلالات عدة،  “حرب خاصة” هي الحرب الشخصية والداخلية في نفس ماري كولفين وما تعانيه من تحديات في حياتها الخاصة وزيجاتها وعلاقاتها المتعددة، وفي عملها كمراسلة حربية لجريدة بريطانية “صاندي تايم” وتوقها الدائم لخوض المغامرة وسلوك الطريق الأصعب مهنيا، ودلالة أخرى هي الحرب الخاصة السورية، تلك الحرب التي تعترف ماري نفسها أنها حرب مختلفة عن كل الحروب التي غطتها إعلاميا وأكثرها وحشية وفتكا وعنفا، وأكثرها عبثية وربما أكثرها تعتيما إعلاميا على الأقل في سنواتها الأولى.

ورغم أن الفيلم يسلط الضوء في 20 دقيقة الأخيرة على الثورة السورية بعد مرور سريع على الحروب في عدة بلدان، كثورة  ليبيا و سريلانكا و العراق على شكل تقرير إخباري مصور أكثر منه كمادة سينمائية، إلا أنه في تلك الدقائق العشرون يضعنا المخرج أمام صورة بصرية أقرب للفيلم الوثائقي منه للفيلم الروائي، ويضع المتلقي أمام حجم المأساة السورية بكل تفاصيلها، واستطاع المخرج كسب تعاطفنا مع الضحايا إلا أنه لم يفلت من نمطية الأفلام الامريكية، خصوصا في بداياته بتسليطه الضوء على الحياة اليومية للبطلة والإسهاب الكبير في سرد قصصها الغرامية والجنسية وربما هذا يتناسب مع عقلية وثقافة المتلقي الغربي، إلا أنه بالتأكيد يوجد شرخا كبيرا في ذهنية المتلقي الشرقي ويضعه في موقف محرج، بل وربما تلك التفاصيل والمشاهد الإباحية منعت الكثيرين من متابعته، على الأقل جماهيرا كونه يخدش الحياء لشرائح كبيرة من الجمهور المفترض، وهذا ما يؤخذ على الفيلم وصناعه برأيي على أقل تقدير، و هذا ما يجعلنا نطرح سؤالا عن إمكانية إيصال رسالة الفيلم دون دراسة ومعرفة  ثقافة المتلقي والجمهور المستهدف وهذا أخذنا للفيلم الآخر. “حياة خفية” الذي يروي قصة شاب نمساوي مع الكثير من الشاعرية والمشاعر الدفاقة، و صوت الضمير والحب الذي لايموت مع بعد المسافات أو حتى الموت، فالمزارع “فرانز” يرفض الالتحاق بالجيش الألماني بالحرب العالمية الثانية ويرفض آداء القسم بالولاء لهتلر، ويرفض المشاركة في قتل المدنيين وذلك يكلفه فقدان حياته، فقد تم الحكم عليه بالإعدام، رغم أنه عاش قصة حب مع زوجته وله منها بنات صغيرات وله عالمه الخاص الذي يتقاسمه مع الأم والأصدقاء وحياة سعيدة، ورغم طول الفيلم الذي يمتد على ثلاث ساعات إلا أن المتفرج لا يشعر بالملل، بل استطاع المخرج أن يشد كل حواسه، نحو كل تفصيل صغير يسرده بصريا وصوتيا للقصة، بطريقة هادئة هدوء الريف الذي تجري فيه الأحداث دون ضجيج، فيسمعنا الشعر والقصائد يستخدم “تيرنس ماليك” مختارات من الموسيقى الكلاسيكية من بيتهوفن وهاندل وباخ وغيرهم، ويأخذنا إلى حقول القمح وإلى الجبال المغطاة بالثلوج وإلى الكنيسة والمعتقل، ونجح في كسب ثقتنا وحرضنا على التنديد بالحرب وويلاتها دون اللجوء إلى مشاهد القتل أو التعذيب المفرطين .

واستطاع أن يكسب احترامنا لخيار بطله وتوضيح موقفه الرافض للحرب، رغم أن المناخ العام المحيط به في ظل التحشيد للقتال، وأقنعنا أنه هناك صوت يعلو فوق صوت المعركة ولو بعد حين.فيلمان يستحقان المشاهدة والتأمل ويوضحان دور السينما في مناصرة الأفراد والشعوب وحقهم في الحياة والحرية.

وهنا من الجيد التنويه أنه علينا كسوريين إيلاء السينما والأفلام الإهتمام والعمل على تنظيم تلك الأفلام التي تتناول قضيتنا والثورة السورية وإيجاد منصات عرض لها، لنا كسوريين و لأصدقائنا من الشعوب التي نتقاسم معها الهموم والآمال والطموح لعيش كريم و حر .

بطاقة الفيلم: حرب خاصة (بالإنجليزية: A Private War) فيلم دراما، سيرة ذاتية  للمخرج ماثيو هاينمان وبطولة روزاموند بايك في دور الصحفية الأمريكية ماري كولفين. 

يستند الفيلم على مقالة نشرت في عام 2012 بعنوان حرب ماري كولفين الخاصة في مجلة فانيتي فير بقلم ماري برينر. الفيلم من كتابة آرش آميل ويضم توم هولاندر،جيمي دورنان وستانلي توتشي.

ويروي فيلم حرب خاصة قصة كفاح المراسلة الصحفية الأمريكية الشهيرة ماري كولفين و التي تعمل لحساب جريدة صاندي تايمز البريطانية علي مدار عقدين، و فقدت عينها اليمنى خلال تغطية أحداث مدينة سريلانكا عام 2001.

 

طاقم العمل:

روزاموند بايك بدور ماري كولفين

جيمي دورنان بدور (بول كونروي)

ستانلي توتشي بدور (توني شاو)

توم هولاندر

كوري جونسون بدور (نورم كوبيرن)

رعد الراوي بدور معمر القذافي

موسيقى :

  1. Scott Salinas

التصوير السينمائي :

روبرت ريتشاردسون

تم تصوير الفيلم في الأردن ثم لندن

مدة العرض : 106 دقيقة

الإخراج : Matthew Heineman

سيناريو

Arash Amel

الإنتاج :

Matthew Heineman، Matthew George  

،  وMatthew Heineman  ، وBasil Iwanyk ،  

وماريسا مازولا مكمان،  وتشارليز ثيرون

وتيرينس ماليك ( Terrence Malick) مواليد 30 نوفمبر 1943 في أوتاوا، الولايات المتحدة، هو مخرج و كاتب سيناريو و منتج أمريكي بدأ مسيرته الفنية عام 1969.

 الأعمال:

1978: أيام الجنة

    1998: الخط الأحمر الرفيع

    2005: العالم الجديد

    2011: شجرة الحياة

    2014: فارس الكؤوس

مصدر الصورة: فليكر

اترك رد

avatar