مع إشراقة شمس كل يوم تخرج الأرملة الثلاثينية بثينة العدل متوجهة إلى الأراضي الزراعية لتعمل فيها، وتنتج ما تسد به رمق أطفالها الخمسة، استشهد زوجها في إحدى غارات الطيران الحربي على مدينة بنش، لتصبح هي المعيلة الوحيدة لأطفالها، وتتحمل مسؤولية الأب والأم معا في ظل واقع معيشي صعب، ومجتمع لايرحم.

أدى استمرار الحرب الدامية في سوريا على مدار تسع سنوات لمقتل عدد كبير من الرجال في المعارك وجراء القصف، وهو ما زاد عدد النساء الأرامل، حيث وجدت المرأة السورية نفسها في مكان المعيل للأسرة، في ظل أوضاع صعبة يسودها انعدام الأمن والاستقرار، وندرة فرص العمل، لإضافة لمجتمع يرصد تحركات الأرملة في كل وقت وحين.

أم وسام(٤٤عاما) من مدينة إدلب، تمضي معظم وقتها في بيع الألبسة المستعملة، بعد أن أصبحت المعيلة لأطفالها الأربعة الذين استشهد والدهم في إحدى المعارك على جبهات ريف إدلب الجنوبي، وتقول أم وسام لـ”بوابة سوريا” :”كوني لا أملك شهادة أو مهنة لا يعني أن أقف مكتوفة الأيدي، فأبواب الرزق كثيرة، فقط علينا أن لا نيأس”.

وتعاني الكثيرات من الأرامل من استغلال أرباب العمل لهن في مسألة الأجور، بسبب حاجتهن الماسة للحصول على عمل، حيث يعملن لساعات طويلة مقابل أجر زهيد.

الأرملة الأربعينية وفاء السليم هي أم لستة أبناء أكبرهم سنا في عمر الحادية عشر ، تقف على قدميها طوال اليوم، حيث تعمل في معمل لصناعة الألبان والأجبان في مدينتها إدلب، مقابل أجر زهيد يبلغ     1500ليرة سورية، وهو مبلغ لا يكفي لتأمين أدنى متطلبات العيش، ولكنه أفضل من لاشيء بحسب تعبيرها .

وتقول السليم لـ”بوابة سوريا” :” أشعر بالظلم ولكن ليس باليد حيلة”، وتكتمل المعاناة ويصبح المشهد أشد قسوة عندما يجتمع الترمل مع مرارة النزوح والتشرد .

أما سناء الفاضل (٢٥عاما)أم لطفلين، استشهد زوجها بقصف الطيران الحربي على السوق الشعبي في مدينتها معرة النعمان أثناء عمله في بيع الخضار، خلال الحملة العسكرية الأخيرة التي شنها نظام الأسد  وحلفاؤه، نزحت سناء مع أفواج النازحين ليستقر بها الحال في إحدى مخيمات أطمة الحدودية، وعن كيفية تأمين معيشتها تقول الفاضل بحديث لـ”بوابة سوريا” :”كنت قد تعلمت في وقت سابق مهنة الخياطة في مركز نساء الآن الخاص بتمكين المرأة، وأنا اليوم أعمل وأزاول هذه المهنة داخل خيمتي الصغيرة، لأكسب المال الذي يغنيني عن السؤال أو انتظار الشفقة من الآخرين”.

وتابعت الفاضل بغصة وحزن شديد :”أكثر ما يؤلمني هو أن أبنائي حرموا إلى جانب حرمانهم من أبيهم من حقهم في  التعليم، فالمخيم يبعد كثيرا عن المدرسة، كم كنت أتمنى أن يكمل أطفالي تعليمهم، ولكن يبدو أن هذا صعب المنال في زمن حرب  لعينة دمرت كل شيء”.

ولا تتوقف الصعوبات التي تواجه الأرامل عند ماسبق بحسب الباحثة الاجتماعية منى الخطيب (٤٥عاما) التي ترى بأن :”ثمة صعوبات أخرى يواجهنها بعض الأرامل تتمثل في تدخل أهل الزوج في تربية الأبناء، وفرض آرائهم على الأرملة، والحد من حركتها، والتضييق على خروجها من المنزل، كما أن هناك عددا كبيرا من الأرامل  تتجنب بعض صديقاتهن وأقربائهن الاقتراب منهن خوفا على أزواجهن، بالإضافة إلى الشعور بالوحدة وفقدان المساند والنصير، وعدم وجود بيت مستقل لها ولأولادها، فضلا عن استسلامها للأمر الواقع، والشعور بالإحباط بسبب افتقارها إلى برامج تأهيل ورعاية كافية”.

وتضيف الخطيب بأنه بحديثها لـ”بوابة سوريا”:”يجب مساعدة الأرملة نفسيا وذلك من خلال إعدادها وتأهيلها تأهيلا كافيا، كي تستطيع تلبية متطلبات الحياة الكثيرة، فهي بحاجة لدعم مادي ومعنوي في نفس الوقت، لتتمكن من الثبات والوثوق بنفسها ككائن منتج وفعال، لاسيما وأنها لاتزال تشعر بالارتباك والقلق وأحيانا تأنيب الضمير، لكونها تعمل خارج المنزل، تاركة أطفالها لوحدهم لفترة ليست بالقصيرة، فالدور الذي ألقي على عاتقها كربة منزل ومعيلة ومربية في آن واحد ليس بالأمر السهل عليها”.

ويرى الأخصائي في الدعم النفسي كامل اليوسف (٤٨ عاما)أن :”نظرة المجتمع للمرأة الأرملة تختلف من بيئة إلى أخرى حسب البيئة وما تحمله من منظومة أخلاقية وثقافية واجتماعية ودينية، إلا أن الغالب على الشعب السوري هو النظرة السلبية للأرملة، حيث يضع لها حدودا قاسية في الحركة والعمل والتعلم وممارسة الدور الطبيعي لها في الحياة، إلا أنه مما يلاحظ أن المرأة السورية الأرملة استطاعت نوعا ما كسر تلك الحواجز، ومتابعة حياتها والقيام بمسؤولياتها التربوية والاجتماعية والاقتصادية، وإن كان ذلك يختلف من مكان إلى آخر وبنسب قليلة”.

ويلفت اليوسف بأنه :“من الملاحظ أن الأرامل يعانين من أفراد أسرهن، ومن أقاربهن، ومن المجتمع، ومؤسساته المختلفة، نتيجة بنية ثقافية تربوية منغلقة منذ فترة طويلة من الزمن، بفعل التركيز على الرجل في توفير متطلبات حياة الأسرة .“

ويشدد اليوسف خلال حديثه لـ”بوابة سوريا” بأنه يجب على منظمات المجتمع المدني توفير ورشات توجيه وإرشاد نفسي أسري متخصصة في الوعي الاجتماعي وعلاقاته، كما يجب على المختصين في العلوم الشرعية توجيه الأسرة والمجتمع حول هذه الأزمة، بالإضافة لتفعيل دور الأسرة في حماية بناتها من الضغوط بمختلف أشكالها، ومساعدتهن على إعداد أنفسهن، وتمكينهن لاستئناف حياتهن من جديد.

مصدر الصورة: فليكر

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments