بعد انتشار فيروس “كورونا” أو “كوفيد-19” بشكل كبير في معظم دول العالم، وخروج الأمور عن السيطرة في بعض البلدان مثل إيطاليا وإسبانيا ومن قبلهما الصين، أصبح الفيروس يشكّل خطرًا على حياة الناس في معظم أنحاء العالم.

وعلى الرغم من اتخاذ عدّة دول إجراءات حظر التجوّل والحجر الصحّي على المدن ما زالت الأمور خارج السيطرة، ولكن في محافظة إدلب، تزداد المخاوف من انتشار الفيروس المستجد، بسبب وجود الملايين من المدنيين في القرى والبلدات فضلًا عن تكدّس مئات الآلاف في المخيّمات الحدودية.

وانطلقت حملات التوعية والتحذيرات من قبل ناشطين وعدة منظمات وفعاليات مدنية، لكن كل تلك التحذيرات وحملات التوعية لم تلقَ آذانًا صاغية لدى غالبية الأهالي، وكأن الأمر لا يعنيهم، حيث ما زالت الأسواق مكتظة دون أية احتياطات أو إجراءات وقاية كالقناع الطبّي (الكمّامة) أو المعقمات وغيرها من وسائل الوقاية والحماية الشخصية.

 

استهتار بالفيروس

على الرغم من جميع حملات التوعية التي أطلقت، لم نشاهد على الأرض أية استجابة لتلك الحملات، حيث قامت “بوابة سوريا” بجولة في الأسواق لرصد الواقع ومدى استجابة الأهالي إلى تلك الحملات.

ولكن الصدمة كانت في حالة التعاطي السلبي مع التحذيرات والمناشدات، لأن الأسواق تشهد اكتظاظًا وازدحامًا غير مسبوق، وهذا ما يلاحظ بشكل كبير على أبواب الأفران، كذلك الأمر في طوابير استلام المساعدات الإنسانية التي لم تتوقف إلى الآن.

كما أن المساجد لم تعلّق فيها صلوات الجماعة ولم يلقِ الغالبية اهتمامًا لدعوات التوقف عن بعض العادات الاجتماعية السائدة، كالمصافحة والعناق والتقبيل، إضافةً إلى جلسات التعزية التي يتم من خلالها تقديم القهوة المرة ومن فنجان واحد يمرّ على جميع المعزّين، ما يضع البعض في حرج إن امتنع شخصٌ ما عن مبادلة المصافحة أو العناق أو شرب القهوة.

ويضاف إلى ذلك استمرار الزيارات والسهرات، حتى أن بعض المنظمات الإنسانية ترتكب أخطاءً فادحة في حملات التوعية التي تطلقها، فتقوم بتجميع الناس في صالة أو ساحة أثناء تقديم النصائح والإرشادات التي تدعو للوقاية.

 

أثر سنوات الحرب

ربما يعود هذا الاستهتار للسنوات التي عاشتها المحافظة في الحرب كما يرى بعض الناشطون.

الناشط محمد الشمري قال لـ “بوابة سوريا“: “سنوات الحرب الماضية التي عاشها سكان إدلب وما تخللها من تصريحات دولية تركت أثرًا سلبيًا لديهم، تتجسد في تقبّلهم لكل ما تطرحه وسائل التواصل الاجتماعي، وأهمها الشائعات التي يطلقها أصحاب نظرية المؤامرة على اعتبار أنها لعبة دولية، متجاهلين الخطر الحقيقي الذي يشكله المرض، والأعداد الصادمة للإصابات والوفيات في مختلف أنحاء العالم”.

وأضاف الشمّري: “الجهل بمصادر الأخبار الدقيقة، وتناقل الصوتيات المجهولة، انعكست أيضًا في موضوع الفيروس، حيث حصل الكثير من الأهالي على معلومات مغلوطة حول الجائحة الطبّية من غير أهل الاختصاص، ومن مصادر غير موثوقة بسّطت لهم الأمر، وقدمت لهم علاجًا بدائيًا أو أعشابًا وقائية تتمثل في بعض الخضروات والتوابل، على أنه مرض لا يختلف عن الكريب في شيء”.

رائد الموسى، ناشط من مدينة إدلب، قال لـ “بوابة سوريا“: “ربما سبب الاستهتار الذي نشاهده على الأرض من غالبية الأهالي يعود إلى تلك السنوات القاسية التي عاشها سكان إدلب، فلم يعد يخيفهم شيء، بعد أن ذاقوا الموت بكل أشكاله، ومنهم من تم انتشاله من تحت أنقاض منزله المهدّم، أو فَقَدَ أحد أفراد أسرته في قصف أو اعتقال”.

يعتبر الموسى أن النازح الذي يسكن في خيمة لا تقيه البرد ولا الحر بعد أن تهدم منزله، وفقد كل ما يملك في بلدته أو قريته التي احتلتها وسرقتها قوات الأسد، أصبحت تحذيرات الفيروس غير مجدية معه، أو أنه لم يعتد تصديق كل ما يسمعه”.

وتابع: “كل ذلك، ليس مبررًا لحالة الاستهتار والسخرية، وردة فعل غير موفقة وغير مدروسة، وهي تنمّ عن حالة من الجهل وعدم وزن الأمور بوزنها الحقيقي، لأن الفيروس خطر، وإن كان الشخص قد تعرّض لكل أنواع الظلم والقهر لا يعني أن يتسبّب بنقل كارثة إلى أهله وجيرانه”، معتبرًا أن الاستهتار لن ينعكس فقط على المستهترين، بل محيطهم وأولادهم وأسرهم.

 

خطورة غير مأخوذة بالحسبان

يقول الطبيب علي الداني لـ “بوابة سوريا”: “على الرغم من كل التحذيرات التي تم إطلاقها بخصوص فيروس كورونا إلا أن الاستهتار ما زال سيد الموقف على مستوى الأفراد وقسم لا بأس به من المؤسسات”.

يرى الطبيب الداني، أنّه قد يكون من مخاطر ذلك الاستهتار، انتشار الفيروس بشكل سريع، وهذا قد يعني إصابة 70% على الأقل من سكان المناطق المحررة، أي إصابة 2.8 مليون إنسان، 20% منهم يحتاج إلى دخول المستشفى، بما يعادل 560 ألف إنسان، ونسبة الوفيات 4% بما يعادل 162 ألف شخص، وكلها أرقام ضخمة لا يمكننا حتى تخيلها”.

وتابع الداني: “اتباع أساليب الوقاية وخاصة التباعد الاجتماعي يؤدي إلى كسر سلسلة العدوى، كما يؤدي ذلك إلى تباعد ذروة فترة الإصابة وهذا مهم جدًا لتمكين القطاع الصحي من السيطرة جزئيًا على الوضع، أما عدم اتباع التعليمات الوقائية يؤدي إلى حدوث ذروة كبيرة من حيث عدد المرضى وحالات الاستشفاء والوفيات خلال فترة وجيزة وبذلك نقف عاجزين أمام هذه الكارثة”.

طرق مهمّة للوقاية

وأكمل الطبيب: “بالنظر إلى دول عظمى ومتقدمة في المجالين الطبي والاقتصادي نرى بأنها وقفت عاجزة أمام هذه الجائحة فما بالك بقطاع صحي من الأساس منهك، حيث أن عدد أسرة العناية في كل المناطق المحررة لا يتجاوز 150 سريرًا، وعدد أجهزة التنفّس لا يزيد عن 100 وهي بالأساس مشغولة وغير قادرة على استيعاب أي مريض إضافي، لذلك ليس أمامنا حل سوى اتباع أساليب الوقاية بكل جدية، ولنا في إيطاليا أكبر مثال عن الاستهتار، وفي الصين مثال عن نتائج اتباع أساليب الوقاية”.

وكانت منظمة الصحة العالمية قد خصصت على موقع ويب الخاص بها نافذة عن الفيروس وطرق انتقاله والوقاية منه، قدمت من خلاله بعض النصائح والتوجيهات التي تتعلق بالمرض.

وجاء في الموقع: “يمكن أن يصاب الأشخاص بعدوى مرض كوفيد-19 عن طريق الأشخاص الآخرين المصابين بالفيروس، ويمكن للمرض أن ينتقل من شخص لآخر عن طريق القُطيرات الصغيرة التي تتناثر من الأنف أو الفم عندما يسعل الشخص المصاب بمرض كوفيد-19 أو يعطس، وتتساقط هذه القُطيرات على الأشياء والأسطح المحيطة بالشخص، ويمكن حينها أن يصاب الأشخاص الآخرين بالمرض عند ملامستهم لهذه الأشياء أو الأسطح ثم لمس عينيهم أو أنفهم أو فمهم”.

كما يمكن أن يصاب الأشخاص بمرض كوفيد-19 إذا تنفسوا القُطيرات التي تخرج من الشخص المصاب بالمرض مع سعاله أو زفيره، ولذا فمن الأهمية بمكان الابتعاد عن الشخص المريض بمسافة تزيد على متر واحد (3 أقدام)، إن المرض الذي تسببه العدوى بفيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) خفيف بشكل عام، لاسيما عند الأطفال والشباب. ومع ذلك، فإنه يمكن أن يسبب مرضًا خطيرًا، إذ يحتاج نحو شخص واحد من كل 5 أشخاص مصابين بهذا المرض إلى تلقّي الرعاية في المستشفى، لذا، فإن من الطبيعي أن يشعر الناس بالقلق إزاء كيفية تأثير فاشية مرض كوفيد-19 عليهم وعلى أحبائهم، بحسب الصحّة العالمية.

وجاء في موقع “الصحّة العالمية“: “يجب غسل اليدين بشكل منتظم ومسهب واتّباع ممارسات النظافة التنفسية الجيدة، إضافةً إلى الاطلاع على مشورة السلطات الصحية المحلية والتقيّد بها، بما في ذلك القيود التي قد تُفرض على السفر والتنقل والتجمعات”.

وفي ظل التقصير من قبل الأمم المتحدة والعجز والنقص الكبير في الخدمات الطبية التي يعاني منها ما تبقى من مستشفيات محافظة إدلب، تبقى المسؤولية الكبيرة على عاتق سكان المحافظة، في الحفاظ على صحتهم وسلامتهم من خلال ما هو متوفر وتطبيق الإرشادات والنصائح التي تقدمها وسائل الإعلام، وحملات التوعية التي تطلقها المنظمات الإنسانية العاملة على الأرض.

 

guest
1 تعليق
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
trackback

[…] كوفيد 19” مرض معد يسببه فيروس كورونا المكتشف مؤخرا، وينتشر عن طريق اللمس ومن ملامسة […]