الحرب
قبل ثلاث سنوات كان وجود عبير ذات السادسة والعشرين ربيعا يبدو غريبا وسط سوق الخضار في مدينة جبلة، وهي تدير متجر زوجها الذي قتل في إحدى معارك جيش نظام الأسد بريف دمشق، إلا أن السوق اليوم بات يضم العديد من النساء التاجرات والعاملات الأخريات حتى أصبح التعامل معهن أمرا روتينياً.

خلال سنوات الحرب التي تخطت التسع سنوات خسر الساحل السوري الكثير من الشبان في المعارك، وأصبح المجتمع يشهد تفوقا عدديا واضحا للنساء، حتى من بقي من الرجال لايزال حتى اليوم أسير هذه الحرب في القطع العسكرية، ما دفع النسوة لخوض تجارب جديدة واقحام أنفسهن في سوق العمل.

تقول عبير التي فضلت عدم ذكر اسمها الكامل لأسباب خاصة إن مقتل زوجها لم يترك لها خيارا آخر لإعالة طفليها سوى العمل، مضيفة أنه كان من الصعب عليها بداية الدخول في السوق، ومعاملة الرجال وتعلم التجارة، إلا أنها تعلّمت الكثير خلال هذه الأعوام الثلاثة.

لا تبدي الشابة العشرينية في حديثها لموقع “بوابة سوريا” سعادتها كثيرا بالمهنة التي تصفها بالشاقة، لكنها تؤكد في الوقت ذاته أنها “أفضل بكثير من انتظار أي مساعدة”، مضيفة لدى سؤالها عن المصاعب التي تواجهها :” بالطبع هناك الكثير أولها نظرة المجتمع، والتعب الجسدي، وصعوبة تربية أبنائي، هذا بالإضافة لعقبات أخرى تتعلق بعدم تقبل الرجال في بعض الأحيان لدخولنا السوق والاستهزاء بقدراتنا”.

تحولات كبيرة:

ورغم طبيعة المنطقة الساحلية الريفية وعمل النساء منذ زمن بعيد بالزراعة إلى جانب أزواجهن، إلا أن تغييرات كثيرة طرأت مؤخرا على هذا القطاع أيضا، حيث بدأت العديد من النساء بتجاوز مهمة المساعدة الثانوية، وانتقل العديد منهم إلى ضمان المحاصيل وجني المحصول وبيعه.

وفي هذا السياق تحدث الناشط الإعلامي في مدينة اللاذقية أحمد اللاذقاني عن تحولات كبيرة طرأت على مجتمع الساحل السوري مع غياب عنصر الشباب، مضيفا ” لم يعد غريبا خلال السنوات الأخيرة أن نرى نساء تدير مطاعم و تفتتح محال حلويات ومعجنات، حيث أصبح دور النساء فاعلا في الأسواق، وحتى في مهن لم تكن أبدا يدخلنها مثل صيانة أجهزة الموبايلات، ومعامل صناعة الأحذية وحتى في المخابز.

ويوضح “اللاذقاني” في حديثه الخاص لموقع “بوابة سوريا” أنّ جملة التغييرات الكبيرة في مجتمع الساحل السوري كانت ضرورية في ظل الحاجة لاستمرار عجلة الاقتصاد، وغياب الشباب واستمرار حملات التجنيد، لكن في الوقت ذاته كان ضعف التدريب وغياب خبرة هؤلاء النسوة العائق الأكبر.

لم يكن غياب الشباب فقط هو العامل الوحيد الذي دفع بعض النسوة إلى سوق العمل، بل ساعدت الأوضاع الاقتصادية المتردية وانخفاض الأجور العديد من النساء على الإقدام لمساعدة أزواجهن.

أم محمود وهي ربة منزل في العقد الرابع من عمرها حولت جزءا من منزلها إلى ورشة تصنيع المونة، حيث تعمل مع جاراتها يوميا على تعبئة كل نوع في موسمه وبيعه للمتاجر مثل البندورة والمخلل والملوخية وغيرها.

ضرورة وليس اختيار:

ترى أم محمود في حديثها لموقع “بوابة سوريا” أن دخول النساء للعمل لم يكن خيارا بل ضرورة ملحة فرضتها الظروف الجديدة للمجتمع والحياة، مضيفة “سابقا كانت الأوضاع المادية جيدة لمعظم النساء، أما اليوم يعمل على الأقل اثنان أو ثلاثة في كل عائلة وبالكاد يستطيعون مجاراة متطلبات الحياة”.

وفي مؤشر واضح على ارتفاع نسبة عمالة النساء والفتيات ذكر مأمون خير الدين(اسم مستعار) لـ”بوابة سوريا” وهو موظف في مدينة جبلة أن قطاع النظافة وإصلاح الكهرباء وهي أعمال كانت حكرا سابقا على الرجال، شهدت خلال السنوات الأخيرة دخول أعداد لا بأس بها من النساء، مضيفا أن معظمهن يعملن حتى في أيام إضافية وهن معيلات لأسرهن.

وفي تجربة فريدة عرضت وسائل إعلام محلية في شهر آذار الجاري قصة القبطانة السورية فاتن الترجمان من سكان “مار الياس” بطرطوس كأول امرأة سورية تقود سفينة تجارية وتخرق احتكار الرجال لمهنة القبطان.

سوسن عبارة كانت تجربة أخرى فريدة في مدينة اللاذقية، كبداية إعلان دخول النساء لقيادة الحافلات بعد اجتيازها مسابقة التوظيف الخاصة بتعيين سائقين لحافلات الدولة.

ترى أنغام وهي طالبة في كلية الآداب بجامعة تشرين في اللاذقية أن ما يشهده المجتمع من تغييرات لم يعد غريبا على أحد، “حتى النساء أصبحن يطلقن نكات الفكاهة عندما يصادفن موظف لأن هذا الأمر أصبح غريبا في مدينة أصبح لقبها مدينة النساء”.

ووفق دراسة صادرة في أيار/مايو 2017 عن مركز دمشق للدراسات والأبحاث، ومقره دمشق، بعنوان “تداعيات الأزمة والحرب على واقع المرأة السورية”، شكل الذكور  نسبة 82.2 بالمئة من الوفيات الناتجة عن الحرب، تركزت بين فئة الشبان في قوة العمل، إضافة إلى تعرض 1.2 مليون شخص للإعاقة والإصابة المختلفة التي تجعل من الصعب عليهم العودة إلى العمل.  الحرب الحرب الحرب

guest
1 تعليق
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
trackback

[…] الأوضاع الاقتصادية تدفع النازحين في المخيمات لصناعة موقد يعمل على الحطب […]