خلال الأشهر الماضية، شهدت مدينة إدلب جمودًا في حركة الأسواق والمرافق العامة، نتيجة حملة القصف التي شنتها قوات الأسد على المدينة، وارتكاب مجازر بحق المدنيين أدت لسقوط عشرات الشهداء، بينهم نساء وأطفال نتيجة استهداف الأسواق والمدارس والتجمعات السكانية.

كما توقفت المطاعم والمقاهي لفترة شهرين تقريباً، لحقت بأصحابها خسارات كبيرة، في حين ومع بداية الإعلان عن وقف إطلاق النار عادت الحركة الاقتصادية بالتزامن مع تغير بالقوانين الأمنية التي كانت تحكم المدينة والمدنيين.

ولكن ما لبثت الحياة أن تعود إلى طبيعتها حتّى ازدادت المخاوف من تفشّي فيروس “كورونا” ما أدّى لإعادة الجمود إلى حياة المدنيين

 

الأسواق: جمود فحركة ثم عودة الجمود

توقفت حركة الأسواق في محافظة إدلب التي تضم أعدادًا ضخمة من النازحين، والسكان الأصليين، خلال الحملة العسكرية لنظام الأسد، جميعهم عانوا من قصف وحصار من نوع آخر كالحركة واللباس والعلاقات الاجتماعية.

تقول مريم السيد، نازحة من مدينة كفرزيتا شمالي حماة: “خلال حملة الأسد على إدلب، باتت الأسواق والحدائق العامة في مدينة إدلب خاوية على عروشها، لا تجد فيها إلا القليل من الناس الذين أجبروا على الذهاب للسوق، أو ممن ضاقت به الحال فاضطروا للانتظار على كرسي في حديقة ما، بسبب القصف الممنهج الذي لحق بالمدينة من قبل قوات الأسد والطائرات الروسية، ما تسبب بخوف كبير لدى الناس”.

وأضافت السيد: “كان لـ “الحسبة” والداعيات التابعات لها دور بامتناع النساء والرجال عن تلك الأماكن العامة لتدخلهم الكبير في اللباس ونوعه”.

وتوضّح أنّه “بعد إعلان وقف إطلاق النار أصبحت لدينا الجرأة لزيارة كل مكان والسير في الشوارع والتنزه في الحدائق التي عادت تكتظ بالسكان، كما أنه في الأيام الأولى من الهدنة كانت معظم المرافق والأماكن العامة خالية من الداعيات وعناصر “الحسبة”، الذين فقدوا سلطتهم مع الأحداث الأخيرة وتوغل النظام في مناطق واسعة من ريف حماة وإدلب.

وأشارت مريم إلى أن “هذه الفرحة لم تكتمل ولم تستمر حتى ظهر وباء كورونا، الذي بات كالشبح ليعود الخوف من جديد من زيارة المرافق العامة وملامسة الأسطح المختلفة التي تعتبر طريقة لنقل الفيروس”.

 

فرحة لم تكتمل

كان لوقف إطلاق النار أثر إيجابي على السكان بشكل عام وعلى الطلاب بشكل خاص، فبعد انقطاعٍ استمرَّ لأشهر، عادت مظاهر الحياة إلى مدينة إدلب، وافتُتحت الجامعات والمدارس.

تقول هيام العبدو، وهي مدرّسة ونازحة من قرية تلمنس بريف معرة النعمان الشرقي: “لم نكن نزور الحديقة منذ نزوحنا بسبب الخوف من القصف ووقوع عدة مجازر في المدينة، إلا أننا وبعد التهدئة أصبحت ملاذنا الوحيد في نهاية كل يوم، وخاصة مع بداية فصل الربيع واعتدال الحرارة”.

كما كان لوقف إطلاق النار نتائج إيجابية على الطلاب في المراحل التعليمية المختلفة ومنها طلاب الشهادتين الإعدادية والثانوية.

وعن الآثار المتراكمة التي تركتها التهدئة تروي فاطمة العلي، طالبة شهادة ثانوية ونازحة من بلدة خطاب في ريف حماة: “توقفت المعاهد الخاصة والمدارس في ظل الحملة الأخيرة على مدينة إدلب، حتى أن بعضها نقل مركزه لمناطق الشمال الحدودية، الأمر الذي جعلنا نعتقد أننا لم نقدم امتحانات لهذا العام، ونستسلم للأمر الواقع ونتخلى عن أحلامنا وأهدافنا بالدراسة، لدرجة أن البعض قرّروا ترك الدراسة وأجّلوا تقديم الامتحان للعام المقبل على أمل أن يكون أفضل حال من عامنا هذا”.

أردفت فاطمة: “بعد الهدنة، عُدنا إلى مدارسنا ومعاهدنا لنستكمل ما فاتنا من دروس بطريقة مكثفة، دون خوف أو رعب، وتم التسجيل على البطاقات الامتحانية وتحديد الامتحان النهائي، الأمر الذي أعطانا بصيص أمل بعد أن فقدناه منذ أشهر”.

وتكمل: “ما لبثت تلك التهدئة لأسابيع قليلة حتى زادت المخاوف من وباء كورونا الذي شلّ الحركة” مشيرةً إلى إعادة تعليق العملية التعليمية، والاعتماد على التعليم عن بعد، علّه يؤدي الغرض، والعودة للحجر المنزلي والاختباء مرّة من القصف وأخرى من الفيروس التاجي المُعدي.

 

قوانين لـ “زيارة الحدائق العامّة”

يقول عمار عبد الرزاق، وهو طالب جامعي ونازح من مدينة قلعة المضيق غربي حماة: “نحن كطلاب جامعيين نحتاج بين المحاضرات لأماكن تشعرنا بالراحة النفسية وقريبة من جامعاتنا، وهذا ما نجده بالحدائق العامة في مدينة إدلب، إلا أننا كنا محرومين منها صباحًا ومساء، بسبب منع الاختلاط بين الشباب والفتيات، ولكن وبعد الهدنة ولفترة أسبوعين استطعنا دخولها بأي وقت الأمر الذي لم يستمر طويلاً، حيث فُرضت قوانين حصرت الدخول إلى الحدائق للعائلات في المساء”.

يضيف عمار: “لفترة ليست بطويلة أصبح هناك قسمين في الحديقة، ومدخلين جعلنا نشعر بالارتياح وبأننا لسنا محرومين من شيء، حتى انتشر فيروس كورونا، الذي لم تسجل أي إصابة به في الشمال، ولكن الإجراءات الاحترازية منعتنا من الوصول إلى تلك المرافق خوفًا من انتقال العدوى”.

كما أفادت هيفاء العمر، وهي ربّة منزل من أبناء مدينة حماة: “أجد في الإجراءات التي اعتمدها عناصر “الحسبة” نوع من الأريحية، حيث أصبح بإمكان أبنائي الدخول معنا إلى الحدائق والأماكن العامة”.

أردفت هيفاء: “المشكلة الأكبر حاليًا هي انتشار فيروس كورونا، لأنّه ينتقل دون أن نشعر به، وبتنا نخاف من لمس أي سطح خوفًا من أن يكون الفيروس قد سقط عليه ما دفعنا للتقليل من زيارة الاماكن العامة، حتى انعدم الوصول إليها”.

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments