نازحون يعودون لمنازلهم غرب حلب وسط تخوفهم من عودة القصف والعمليات العسكرية التي توقّفت إثر اتفاق تركي – روسي في موسكو أدّى إلى وقف إطلاق النار شمال سوريا.

وشهدت أرياف حلب الغربية والجنوبية وريفي إدلب الجنوبي والشرقي، هجومًا عسكريًا بريًا لقوات الأسد والميليشيات الموالية لها المدعومة روسيا، استمر لأشهر ورافقه قصف مكثف بشتى أنواع الأسلحة، حيث سيطرت قوات الأسد خلال هذا الهجوم على مناطق شاسعة من تلك الأرياف، كما تسبب بقتل وجرح مئات المدنيين، إضافة لنزوح نحو مليون مدني.

عقب سيطرة قوات الأسد وميليشياتها على مساحات واسعة من المناطق المحررة، أعلن الرئيسان التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين يوم 5 آذار 2020، توصلهما لاتفاق يقضي بوقف إطلاق النار في أرياف إدلب وحلب التي تتعرض لهجوم عسكري، حيث تم تنفيذ الاتفاق بداية اليوم السادس من شهر آذار.

 

عودة للأهالي وتخوفات

بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ بأيام، شهدت قرى وبلدات عديدة منها “الأتارب، الجينة، كفر ناصح، إبين سمعان، تقاد، الأبزمو، تديل، كفر عمة” في ريف حلب الغربي عودةً نسبيةً لأهلها، رغم قربها من خطوط التماس مع قوات الأسد، والمخاوف الكبيرة من عودة مشهد القصف والمجازر.

يقول زكريا بركات أحد أبناء قرية تقاد غرب حلب لـ “بوابة سوريا“: “إنه فضّل العودة مع عائلته إلى قريته القريبة من خطوط التماس مع قوات الأسد، بسبب عدم قدرته على دفع المبالغ الكبيرة التي طُلبت منه لقاء استئجار منزل قرب عفرين شمال حلب، إضافة لعدم توفر أماكن صالحة للسكن بشكل مجاني، كما أن صعوبة الحصول على خيمة لنصبها والسكن فيها كان أحد الأسباب”.

ويتابع بركات بقوله: “قضيت فترة نزوحي في منزل عائلة استضافتني بريف مدينة عفرين، لكن بعد توقف القصف على قرية تقاد قررت العودة إلى منزلي، والجلوس تحت خطر القصف أو الاجتياح”، مشيرًا أن معظم أهالي القرية ما زالوا خارجها.

الكثير من أهالي قرى ريف حلب الغربي التي لم تسيطر عليها قوات الأسد خلال حملتها العسكرية، فضلوا العودة إلى منازلهم والجلوس تحت خطر القصف أو الاقتحام، بسبب عدم قدرتهم على دفع الإيجارات باهظة الثمن، أو السكن في الخيام التي لا تقي حر الصيف أو برد الشتاء.

وفي السياق أكد يوسف الديب أحد أبناء مدينة الأتارب والعائدين إليها حديثًا، أن نحو 20 بالمئة من سكان المدينة عادوا، حيث بدأت الحياة تعود تدريجيًا إلى المدينة، رغم الدمار الهائل الذي حل بها نتيجة القصف الذي تعرضت له خلال الحملة العسكرية.

وأبدى “الديب” تخوفه الكبير من عودة القصف والمعارك إلى محيط المدينة، حيث سيضطر الكثير من المدنيين للنزوح مرة أخرى وعدم التفكير في العودة إلى أن تستقر أوضاع المنطقة بشكل نهائي، في حين رجح “بركات” أن قوات الأسد لن تقتحم القرى المتبقية من ريف حلب الغربي بسبب انتشار القوات التركية على طول خطوط الجبهات مع قوات الأسد.

 

الحملة العسكرية تدمر الخدمات

كانت تعرف قرى وبلدات ريف حلب الغربي قبل الحملة العسكرية، بواقعها الخدمي الجيد، وإقبال المنظمات الإنسانية والإغاثية على العمل فيها، إلا أن الأمر انعكس بشكل كلي بعد حملة قوات الأسد، حيث أصبحت معظم تلك المناطق دون خدمات كافية، مع غيابٍ شبه تام لجميع أنواع الدعم الإغاثي والإنساني وحتى الخدمي.

وفي التفاصيل، يوضح محمد عزيز رئيس المجلس المحلي في بلدة إبين سمعان غرب حلب لـ “بوابة سوريا“، أن بلدته كانت قبل الحملة العسكرية من أفضل البلدات من ناحية دعم المنظمات وتقديم الخدمات، كتوفير المياه وتفعيل مولدات الأمبير والنظافة، إلا أن هذا الواقع تغير عقب الحملة، حيث عزفت معظم المنظمات عن العمل في البلدة بسبب قربها من خطوط التماس مع قوات الأسد.

ويضيف عزيز، أن ضخ المياه إلى منازل المدنيين توقف بسبب توقف نظام الجباية وعدم وجود عددٍ كافٍ من الأهالي لتفعيله، كما أصبحت سيارات جمع القمامة تخرج إلى شوارع البلدة لتنظفيها وترحيل النفايات منها لأيامٍ محدّدة في الأسبوع بدل الخروج يوميًا بسبب عدم قدرة المجلس على دفع المصاريف التشغيلية.

وأشار عزيز، إلى أن حال بلدة إبين سمعان كحال باقي القرى والبلدات في ريف حلب الغربي، حيث تغيب كافة أشكال الدعم عن المجالس المحلية هناك، ما أدى لحدوث ضعف كبير في الخدمات، خاصة أن المجالس المحلية ليس لديها تمويل ذاتي يمكّنها من الاستمرار في تقديم الخدمات.

وشجع عزيز أهالي البلدة النازحين، على العودة إليها لإعادة الحياة كما كانت عليه قبل الحملة العسكرية، مشيرًا أن نحو 60 بالمئة من السكان ما زالوا خارج البلدة، حيث كان يقطن في البلدة نحو 37 ألف نسمة بين نازح ومقيم قبل الحملة العسكرية التي شنتها قوات الأسد.

وطالب عزيز المنظمات الإنسانية والجهات المعنية بالالتفات إلى قرى وبلدات الريف الغربي لمدينة حلب، ودعمها لوجستيًا وماديًا لإعادة تأهيل البنى التحتية المتضررة من القصف، وتأمين الخدمات للأهالي الذين يعودون بشكل تدريجي إلى تلك المناطق.

 

دعوات لمساعدة العائدين

وأصدر فريق “منسقو استجابة سوريا” في 29 آذار 2020 بيانًا قال فيه: “إن أعداد النازحين العائدين إلى قراهم في ريفي حلب وإدلب بلغت نحو 34766 نسمة من إجمالي النازحين خلال الحملة العسكرية الأخيرة والبالغ نحو مليون نازح.

وأضاف الفريق في بيانه، أن أرياف حلب وإدلب، تشهد تزايدًا ملحوظًا في أعداد المدنيين العائدين من مناطق النزوح المختلفة، عقب الهدوء النسبي للعمليات العسكرية في المنطقة، والإعلان عن وقف إطلاق نار من قبل تركيا وروسيا في الخامس من آذار 2020.

وطالب الفريق في بيانه، الأهالي بتوخي أقصى درجات الحذر من مخلفات القصف غير المنفجرة والمنتشرة في معظم المناطق التي عاد إليها الأهالي، مشيرًا إلى ضرورة إبلاغ الجهات المختصة حال مشاهدة مخلفات غير منفجرة لإزالتها.

كما ناشد كافة الجهات العاملة في القطاع الطبي للتحرك بشكل عاجل إلى المناطق التي تشهد عودة النازحين بغية تقديم الخدمات الصحية والمساهمة في منع انتشار فيروس كورونا “كوفيد 19” هناك.

وأكد الفريق على ضرورة إعادة المنظمات والهيئات الإنسانية نشاطها السابق في المناطق التي يعود إليها أهلها، إضافة لتقديم المساعدات اللازمة للمتضررين من القصف.

وما زال الكثير من أهالي القرى والبلدات التي لم تسيطر عليها قوات الأسد غرب حلب، في حيرة من أمرهم حيال قرار العودة إلى منازلهم، خاصة مع التخوفات الكبيرة من عودة مسلسل القصف والاقتحامات، إضافة لضعف الخدمات وتراكم آثار القصف في كل مكان من قراهم، بينما تثقل الإيجارات، كاهلهم في مكان نزوحهم وبعضهم من لم يجد مكانًا يأويهم حتى الآن.

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments