تسببت العمليات العسكرية في سوريا منذ نحو تسعة أعوام، بمقتل مئات الآلاف، وإصابة أضعاف هذا العدد، فضلًا عن نزوح ولجوء الملايين وتشردهم داخل البلاد وخارجها.

وتحولت حياة الآلاف من مصابي الحروب إلى “جحيم” وذلك بعد أن خسروا أطرافهم أو فقدوا حركتها، أو تعرّضوا لتشوهات دائمة.

 

الزفاف الذي تحول إلى مأساة

وفي مطلع تشرين الأول من عام 2016، ضرب تفجير “انتحاري”، تبناه تنظيم “داعش”، حفل زفافٍ مكتظٍ بالناس في صالة “السنابل” للأفراح قرب مدينة الحسكة، تسبب بمقتل 38 شخصا وجرح أكثر من 100 آخرين.

ابراهيم عابي، متزوج ولديه ولد، كان أحد المدعوين إلى العرس في ذلك اليوم، انقلبت حياته رأسًا على عقب منذ ذلك التاريخ، تعرض لإصابات بليغة تسببت له بشلل نصفي.

ويقول عابي البالغ من العمر 35 عاما لـ “بوابة سوريا“: “بعد اجراء العديد من العمليات الجراحية آنذاك تمكنت من النجاة بأعجوبة، لكن إحدى الشظايا ضربت الشريان السباتي والنخاع الشوكي، ما أدى إلى إصابتي بالشلل النصفي”.

وحول الصعوبات التي تواجهه يتابع عابي قائلاً: “تحولت حياتي إلى مجموعة من الصعوبات بعد ذلك الانفجار، أنا الآن مدرس متقاعد ومرتبي لا يكفي احتياجات أسرتي، أعيش في منزل أخي الذي يقدم لي ولعائلتي يد العون”.

كما يتلقى عابي العلاج الفيزيائي، مقابل أجر مادي، في مركز طبي بمدينة الحسكة، إلا أنه يؤكد أن نسبة الاستجابة “بطيئة جدًا” وأن العلاج لـ “الحفاظ على المفاصل والعضلات لا أكثر”، ويضيف: “المنظمات الإنسانية في المنطقة وعدت بتقديم المساعدة، لكن لم تقدم سوى كرسي متحرك وفرشة هوائية، ولم يعد يراهم بعدها”.

 

رصاصة تركية منعت عبد الله من اللعب مع أصدقائه

في أواخر شهر أيلول من العام 2018، أصابت رصاصة من الجانب التركي الطفل “عبد الله أحمد” أثناء لعبه مع الأطفال في قرية “خراب كورت” الحدودية مع تركيا، قرب مدينة القامشلي شمال الحسكة.

استقرت الرصاصة في إحدى كليتيه وتسببت بكسر في الظهر وإصابات أخرى في الجسم، ما أدى إلى شلل في الأطراف السفلية وحرمانه من المشي مرة أخرى.

ويقول الطفل البالغ من العمر 13 عاما لـ “بوابة سوريا“: “كنت في الصف السابع آنذاك، خرجت لألعب مع أصدقائي في أرجاء القرية بعد عودتي من المدرسة، لكن قناصًا تركيًا أصابني برصاصة متفجرة، أُسعفت إلى مشفى فرمان في مدينة القامشلي، ومنها إلى مشافي إقليم كردستان العراق بناء على طلب الطبيب الذي أكد خطورة حالتي وعدم توفر العلاج اللازم في المنطقة”.

ويتابع حديثه وهو جالس على كرسي متحرك لذوي الإعاقة: “مكثت في مستشفيات إقليم كردستان العراق مدة 17 يومًا، لكن الأطباء لم يتمكنوا من تقديم العلاج اللازم، لذا عدت إلى القامشلي، حيث أجريت لي عملية جراحية في الظهر، والنتيجة بعد رحلة العلاج هذه، أنني لم أعد أستطيع المشي مرة أخرى ومشاكل في الكولون، إلا أنني لم أفقد الأمل بعد، وسأتمكن من السير على قدمي يومًا ما”.

ولعل الإمكانيات المحدودة والأوضاع المادية الصعبة، تزيد من معاناة عبد الله وأسرته على حد سواء، حيث يحتاج الطفل الصغير إلى مبلغ 20 ألف ليرة سورية، بشكل أسبوعي، لشراء أكياس طبية مثبتة بفتحة في البطن تسمى “كولوستومي”، وذلك للتخلص من الفضلات بعد تعرض الكولون للإصابة جراء الطلق الناري.

وبعد حوالي عام ونصف من الحادثة، يؤكد الطفل عبد الله عدم اكتراث المنظمات الإنسانية بحالته الصحية، ويضيف: “بين الحين والآخر أخضع لعلاج فيزيائي في مركز طبي وسط مدينة القامشلي، لكنني لم أتلقَّ أي مساعدة من المنظمات الإنسانية.”

 

شح الدعم المقدّم للمصابين

ويعتبر المختصون في مجال الدعم النفسي أن ذوي الإصابات الدائمة الناتجة عن الحروب، يعانون الكثير لتقبل الواقع الجديد والمرير، وأن أمل العودة لدى هذه الفئة مقترن بشكل غير مباشر بالدعم الاجتماعي والنفسي والمادي.

حيث يوضح المرشد النفسي، عاصم جميل، في حديثه لـ”بوابة سوريا” أن خسارة طرف ما أو فقدان الحركة فيه، يمثل صدمة كبيرة للمصاب وتبدأ الأفكار السلبية الناتجة عن الحزن الشديد بالسيطرة عليه، لذا تعتبر الإسعافات النفسية الأولية هامة وضرورية منذ بداية الصدمة وحتى استقرار وضعه الصحي وتقبله الأمر، على حد قوله.

ويضيف قائلا: “المصاب في منطقتنا يفكر بوضعه المعيشي وأنه سيتحول إلى عالة على أسرته وذويه، وتجول في باله أفكار مثل نظرة الناس له بعد الإعاقة، وتصل الأمور بالبعض إلى التفكير بالانتحار، وهذا أمر خطير جدًا.”

ويرى جميل أن كافة المصابين الذين تحولوا إلى ذوي إعاقة لا يتلقون الدعم المناسب حتى أن معظمهم لا يتلقى الدعم على الإطلاق، ويتابع: “يتوجب على المنظمات الإنسانية تقديم الدعم على ثلاثة مراحل متسلسلة، بدءًا من الدعم النفسي وصولًا إلى الدعم الجسدي وانتهاءً بالدعم المادي الذي يعتبر من أهم أنواع الدعم في منطقتنا التي تفتقر لمقومات الحياة، لذلك على المنظمات دعم المشاريع الصغيرة التي من شأنها إعادة ودمج المصاب إلى المجتمع”.

 

ريفي الرقة ودير الزور: أكبر نسبة مصابين

ويؤكد مصدر من إحدى المنظمات الإنسانية العاملة في شمال شرق سوريا، فضل عدم الكشف عن هويته، أن ريفي محافظتي دير الزور والرقة يحتويان على أكبر نسبة من المصابين الذين تحولوا إلى ذوي إعاقة دائمة بسبب المعارك العنيفة التي شهدتها تلك المناطق من غارات الجوية وانفجارات وألغام تحصد الأرواح وتخلف مصابين بإعاقات دائمة إلى يومنا هذا.

ولم يكشف المصدر ذاته عن إحصائيات دقيقة لمصابي الحرب في محافظات الحسكة ودير الزور والرقة، مشيرًا إلى أن عددهم بالمئات.

وأوضح المصدر أن الهلال الأحمر الكردي ومنظمة “هاندي كاب” الإغاثية الدولية يقدمان المساعدات والدعم لهذه الشريحة عبر تركيب الأطراف الصناعية أو تقديم كراسي لذوي الإعاقة وأدوات مشابهة إضافة إلى تقديم الدعم النفسي لأعداد بسيطة.

 

تركيب الأطراف الصناعية

وفي مدينة القامشلي يعمل مركز تركيب الأطراف الصناعية الذي يتلقى دعمه من “الهلال الأحمر الكردي” على تقديم المساعدة عبر تركيب الأطراف الصناعية لمن خسروا أطرافهم سواء كان نتيجة الحرب أو لأسباب أخرى تتعلق بالأمراض مثل السكري وغيرها.

ويقول الإداري في مركز الأطراف الصناعية، ريباز علي، في حديثه لـ بوابة سوريا“: “إن عدد المستفيدين من المركز من مصابي الحروب وغيرهم من الذين خسروا أطرافهم بلغ حوالي 2300 شخص منذ افتتاح المركز في عام 2015”.

ويتابع قائلًا: “رغم التكلفة الباهظة لصناعة وتركيب الأطراف الصناعية، إلا أننا نقدمها بشكل مجاني دون أي مقابل مادي، نحن لا نتلقى الدعم سوى من الهلال الأحمر الكردي رغم الوعود الكثيرة من المنظمات بدعم هذا المركز الذي يخدم مناطق شمال شرق سوريا كافة”.

وحول الصعوبات التي تواجه عمل المركز والمستفيدين، يضيف علي: “ننتظر شحنة من المواد لتقديم المساعدة لحوالي 500 شخص، لكن هذه الشحنة لم تصل إلى اليوم، نحن نجلب المواد اللازمة للمركز من العاصمة دمشق، لكن حواجز النظام السوري تحتجز هذه المواد بين الحين والآخر لتضيق الخناق علينا، وتطلب مبالغ مالية كبيرة كرشوة للسماح لهذه المواد بالوصول إلى المنطقة”.

 

تجاوز المحنة

أما أبو محمد (اسم مستعار)، وهو أحد مصابي تفجير صالة السنابل بمدينة الحسكة، أصيب بثلاث شظايا، تسببت إحداها بتضرر العصب المسؤول عن حركة الأصابع في يده اليسرى، لتتوقف الحركة في تلك الأصابع فيما بعد.

يتحدث أبو محمد لـ “بوابة سوريا” عن المعاناة التي عاشها بسبب فقدان الأمل في عودة الحركة إلى أصابع يده، ويستمر بالقول: “راجعت العديد من الأطباء لكن دون جدوى، لم يبق أمامي سوى العلاج الفيزيائي المكلف بطبيعة الحال، إذ أن الجلسات كانت بشكل يومي وفي كل جلسة يتقاضى المعالج ألفي ليرة سورية، وهو مبلغ كبير مقارنة مع دخلي كمدرس براتب لا يتجاوز 35 ألف ليرة سورية”.

وبسبب سوء الوضع الاقتصادي، تخلّى أبو محمد عن العلاج، وبدأ التردد إلى صالة رياضية يستخدم فيها تمارينًا مشابهةً للعلاج الفيزيائي الذي كان يتلقاه، وبعد ثلاثة أشهر من التمارين دون انقطاع عادت الحركة إلى الأصابع”.

ويعتبر أبو محمد أن الإرادة القوية والأمل بالحياة يصنعان المستحيل، كما أن الدعم النفسي والاجتماعي الذي كان يتلقاه في تلك الآونة زادت من إيمانه بالوصول إلى النتيجة المرجوة.

ويتفق معظم مصابي الحروب في شمال شرق سوريا، على أن المنظمات الإنسانية العاملة في المنطقة، لا تقدم لهم سوى “الكلام المعسول والوعود الزائفة”، في الوقت الذي يكون فيه المصاب بأشد الحاجة لخدمات تساعده في الاندماج بمجتمعه من جديد.

مصدر الصورة: فليكر

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments