محافظة الحسكة
كثرت في الآونة الأخيرة حوادث الإنتحار في محافظة الحسكة وبخاصة في مدينة القامشلي؛ إذ حدثت ثلاثة حوادث انتحار خلال شهر، وهذا أمر ملفت وغير مسبوق يستدعي تسليط الأضواء عليه وكشف الأسباب والدوافع التي تؤدي إليه.  

الانتحار عادة ما يحصل لدى الإنسان عندما يفقد الأمل بالحياة والعيش بكرامة وسعادة، وهي نتيجة كآبة عميقة لا حل لها، ولكن في الحالة السورية الراهنة في محافظة الحسكة وغيرها من المحافظات السورية هناك خصوصية للأسباب؛ إذ أن الحرب لها دور كبير ومؤثر على حوادث الانتحار وبخاصة بين الشباب، الشباب ذو الطموح والاندفاع الكبير للإنتاج والتفاعل والعيش بحياة حرة كريمة، يجد نفسه وقد حرم من أساسيات الحياة وتعرض للقلق والصعوبات المعيشية والتلوث البيئي وتشتت المجتمع وتوزع الأهل والخذلان داخل سوريا وخارجها، فتتشكل لديه مضاعفات نفسية مركبة من ازدواج الظروف المحيطة السيئة جدا والظرف الخاص الذي يعيشه هو، ويأتي تصرف الأهل معه بأسلوب غير لائق، لأن الأهل هم أيضا مضغوطون بظروف الحرب فيحدث الاصطدام بين جيلين مع أوضاع سلبية جداً، مما قد يدفع بالشاب أو الفتاة إلى الانتحار لكي  نضيئ الموضوع  سنرى آراء أهل المنطقة من النخبة لكي نزداد معرفة بماهية الحوادث الانتحارية. 

تقول شمس عنتر – كاتبة –  لـ”بوابة سوريا”: ” من إفرازات الحرب التي دارت رحاها في سورية والتي تأثرت بها كل بقعة من أرضها، ومن بينها مناطقنا الكردية، حيث خلفت جيشا من النساء الوحيدات، ففيهن الأرامل والعازبات والمنتظرات لزوج تم اختفائه قسريا وفتيات فقدن المستقبل”. 

نتيجة لهذه الظروف قلت نسبة الذكور لأنهم الضحايا الحقيقيين والمحتملين وهجرة القسم الآخر والاعتقال وممارسات النظام الوحشية، كل هذا كان وقعه على الأسرة شديد الخطورة، حدث تغير في بنية الأسرة والمجتمع حيث أن تبدل الأدوار يهدد التوازن ويحدث خللا واضحا. 

المجتمع أصبح يعاني من تشوه أنماط التفكير، فالفوضى تسود كل جوانب الحياة، متسببة بإحداث اضطرابات بالشخصية وعدم استقرار المشاعر وتهديد واضح لمستوى الصحة النفسية واغتراب فكري و و الخ، كما أن الوضع الاقتصادي المتردي أيضا له تأثير فعال، حيث عدم حصول الشباب على فرص العمل مما يساهم بانتشار الفقر وفقدان القدرات وعدم الإكتفاء وحتى فقر الطموح وفقر المشاركة في القرار والتهميش المتعمد وغير المتعمد، والتنمر بكافة أشكاله والانتهاكات الجسدية أو الجنسية وغياب القوانين الفاعلة، وأيضا وجود العديد من الميليشيات المقاتلة وسهولة الحصول على الأسلحة والاطلاع على الفيديوهات التي تنشر فيها مقاطع الانتحار،كل هذه العوامل وغيرها تدفع فئة الشباب أن ينحو نحو الإنتحار، وخاصة عندما يقارن حياته بحياة الشباب المهاجرين حيث توفر مستلزمات الحياة الآمنة لهم هناك، يخلق لديهم حالة من التعاسة، ولا ننكر الأسباب التقليدية للانتحار مثل وجود مشاكل نفسية كالاكتئاب أو الفصام أو الميول الجنسية غير المعروفة والادمان والعزلة الاجتماعية “.

ولعلاج الظاهرة تطرح عنتر حلولا بالقول:”من واجب المسؤولين الاهتمام بفئة الشباب لإبعاد شبح الإنتحار وذلك بتوفير وسائل التوعية والدعم الأسري والاجتماعي والمؤسساتي والحكومي، رغم صعوبة توفر ذلك في زمننا، إذ تسود فيه فوضى الحروب و ترزح تحتها مناطقنا، ولكنه أصبح أمرا ملحا يجب العمل عليه، بعد أن رأينا عدة حالات انتحار مؤسفة في أوقات متقاربة “. 

أما  المحامي أكرم صادق قال لـ”بوابة سوريا”:” الإنتحار فعل وتصرف شاذ يقدم عليه الإنسان عندما يرى نفسه في حالة من اليأس والإحباط وانسداد الأفق أمامه من دون أمل، وبذلك – في الحالة هذه –  لم يعد  بمقدوره وضع حل مناسب أو مخرج للخروج من تلك الحالة ووضع حد لمعاناته، ولم  يرى إلا  نفسه وقد وقع في  لحظة قاتمة ، تتوقف معه جميع ملكاته الفكرية والفهم والرؤى لديه، وإذ به يقدم على الإنتحار وتقع الكارثة”.

ويضيف صادق بالقول” في الفترة الأخيرة وبعد تفاقم حالة الحرب السورية أصبحت جغرافيتها مفتوحة لكل أنواع الصراعات بين الدول العظمى والدول الإقليمية الصغرى، كل واحدة منها ضمن أجندات معينة ومصالح متناقضة تسعر أتون هذه الحرب، مع الأسف بين فئات الشعب السوري أنفسهم، مما أدى إلى تأجيج القتل والتدمير بكل الوسائل المتوفرة وما فتقت به العقل البشري من اختراعات بهذا المجال، إلى أن أصبح قتل الإنسان السوري بشكل فردي أو جماعي وبأقذر الوسائل،  تسمع يوميا وبكل ساعة ودقيقة وترى على شاشات التلفاز والمحطات المأجورة من دون اكتراث بالعواقب وما تحمله من نتائج وآثار سلبية على نفسية هذا الإنسان السوري، الذي يرى نفسه وهو جزء لا يتجزأ منها في أتون هذه الحرب المدمرة.

ويضيف: “بل هو الضحية والقاسم المشترك بينهم جميعا ، وكلهم يدفعون  الفاتورة الباهظة الثمن من أرواح أبنائها وتدمير اقتصادهم وتفشي الفقر والجهل والمرض بين مجتمعهم، وفقدان الأمن والآمان على ارضهم من دون أفق للخروج من هذه الحالة الصعبة بل وتتفاقم صعودا بكل منعطف أشد ضراوة من المنعطف الذي سبقه، مما أدى إلى نوعين من الهجرة القسرية هجرة داخلية يتنقل الإنسان السوري من مكان إلى آخر ضمن المدن والبلدات السورية في المخيمات أوحتى في العراء بحثا عن الأمن والامان، وإن لم ينصفه الحظ وكانت  الظروف أشد إيلاما وقسوة عليه فما عليه إلا أن يفكر برحلة خارجية طويلة تأخذ به العذاب يتخطى الرحيل به إلى خارج حدود الوطن بحثا عن أمان أكثر ووضع معيشي ومستقبل أفضل، وينفذ بروحه واطفاله من الهلاك المحتم من القتل أو الموت جوعا، وما زاد في الأمور تعقيدا أنه  لم تتوفر قيادة حكيمة ونزيهة لتقرأ الواقع بشكل صحيح أو كانوا أشخاص ضعفاء أمام الإغراءات وأصبحوا وسيلة خدمة لأجندات معينة يحشرون بهم في مواقع قيادية مهمة، و نتيجة لذلك الفراغ في القيادة تسلق أناس وتجار حروب إلى المفاصل المهمة بإدارة مقدراتهم لتسهيل المؤامرة وسريانها على هذا الشعب المنكوب لتزيده معاناة احباطا في الداخل والخارج من دون أفق للحل “.

أما الكاتبة شيرين بارافي أوضحت لـ”بوابة سوريا”:” شهدنا في الأيام الماضية ثلاثة حالات انتحار لاشخاص لا تتجاوز أعمارهم الثلاثين عاما في مدينة القامشلي وهذه الحالات برأيي أسبابها اضطرابات نفسية أو تغيرات وراثية في الأجهزة العصبية الحيوية بالسلوك الانتحاري ، حيث يكون عند هؤلاء الأشخاص مادة ” السيروتونين ” منخفضة ، لذلك يعانون من اضطرابات في المزاج واليأس والاكتئاب وعدم التكيف مع الظروف والمعوقات  حيث يعيش أصحابها في ظلمة تفقدهم ارتباطهم بالحياة فيجدون الحل الوحيد بإنهاء معاناتهم بالانتحار”.

وتضيف بارافي : “وأنا أتوقع أن السبب يكمن في  العامل النفسي أو الإجتماعي أو الفقر والبطالة أو النزاع العائلي، وكلها في مجتمعنا من مخلفات الحرب المدمرة، أما بالنسبة لإيقاف هذه الظاهرة يجب أخذ الوقاية بدراسة تحليلية لهذه الحالات ودراسة حالة الأشخاص الذين تعرضوا خلال حياتهم لضغوطات مختلفة، ولا سيما اللاجئين والمتضررين ومساعدتهم بالتعاون مع مراكز الرعاية الصحية وحل مشاكلهم وتوفير فرص العمل والدعم المادي والمعنوي حتى نسهم في المحافظة على هؤلاء الأفراد الذين يشكلون جزءا من المجتمع، وعلى الأسر أن تراقب أبناءها في تصرفاتهم ومشاركتهم لحياتهم اليومية، والتوعية  وإجراء الحوارات الإيجابية معهم لتخفيف معاناتهم “. 

وقالت الناشطة الإجتماعية نوزت أوسي   لـ”بوابة سوريا”: “بسبب اليأس والذي كثيراً ما يُعزى إلى اضطراب نفسي مثل الإكتئاب أو الفصام أو إدمان الكحول أو تعاطي المخدرات أو عدم تحمل ضغط الحروب ومصاعب العيش وبخاصة في الظرف السوري الراهن من حرب ودمار وقتل، وغالباً ما تلعب عوامل الإجهاد مثل الصعوبات المالية أو المشكلات في العلاقات الشخصية دوراً في ذلك”.

مصدر الصورة: فليكر

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments