أولى النصائح التي تُسديها منظمة الصحة العالمية للوقاية من فيروس كورونا المستجد، هي التزام الناس منازلهم، وتهدف من هذا الإجراء تقليل احتمالية تفشي الفيروس، الذي تحوّل في وقت قصير إلى جائحة عالمية أصابت أكثر من مليوني شخص وحصدت أرواح أكثر من 165 ألف من مختلف بلدان العالم.

لكن، ماذا لو أن هناك أشخاصٌ لا يمتلكون منزلًا ويعيشون في خيمة لا تقي عائلتهم برد الشتاء أو حرّّ الصيف؟ وكيف يمكن للنازحين المتكدّسين في الخيام في ظروفٍ إنسانيةٍ صعبٍ التعامل مع كائن مجهري تخشاه كبار الدول المتقدمة والمتطورة علميًا وطبيًا؟.

في شمال شرق سوريا حيث مناطق سيطرة “الإدارة الذاتية“، لا يختلف الحال كثيرا عن باقي المخيّمات الموزّعة على الجغرافية، إذ يوجد هذه المناطق حوالي 15  مخيّم، يؤوون عشرات الآلاف من السوريين الذي فروا من وطأة الحرب المستمرة منذ سنوات.

ولكن معاناة سكّان المخيّمات زادت مؤخّرًا، مع افتقاد مقومات الحياة، حيث يخشى النازحون الذين يقدر عددهم بنحو 300 ألفًا في مخيّمات شمال شرق سوريا، من تفشي فيروس كورونا ما ينذر بوقوع كارثة إنسانية حقيقية.

 

المنشورات التوعوية لا تقي النازحين من “كورونا”

تتساءل مريم عبد العزيز، وهي نازحة من منطقة رأس العين إلى مخيم “واشو كاني” قرب الحسكة، عن كيفية الوقاية من فيروس كورونا المستجد، إن كانت تعيش مع آلاف الأشخاص في مساحة صغيرة، داخل خيم تكاد تكون متلاصقة.

وتضيف عبد العزيز في حديثها لـ “بوابة سوريا”: “عائلتي مؤلفة من 12 شخصًا، نعيش في مخيم لا تتوفر فيه الخدمات الأساسية للحياة، من الحمامات المشتركة وقلّة المياه وغيرها، وبالتالي فإنَّ تطبيق الإجراءات الوقائية المطلوبة أمر يكاد أن يكون مستحيلًا.”

فيما يصف أبو محمد، وهو نازح من ريف دير الزور إلى مخيم “العريشة” جنوب شرقي الحسكة، الأوضاع داخل المخيم بـ”المزرية والسيئة”، مضيفًا لـ”بوابة سوريا“: “النازحون في كافة المخيمات مهمشون، والمنظمات توزع منشورات تقول إنها توعوية للوقاية من كورونا، لكنها لا توفر لنا الخدمات الأساسية لنتمكن من تطبيق هذه الإرشادات.”

 

خطرٌ كبيرٌ على المخيّمات

وتعتبر منظمة “الهلال الأحمر الكردي” أن وباء كورونا يشكل “خطرًا كبيًرا” على مناطق شمال شرق سوريا التي تأوي أكثر من 300 ألف نازح ولاجئ لا تصلهم الخدمات الصحية الوقائية الكافية، مشيرة إلى أن نحو 119 ألف شخص يقطنون في عشر مخيمات رسمية وغير رسمية، لا يمكنهم الحصول على تدابير وقائية كافية أو تطبيق التباعد الاجتماعي، بحسب بيان صدر عنها في 17 نيسان 2020.

ويؤكد عضو مجلس إدارة الهلال الأحمر الكردي، دلكش عيسى، اتخاذ بعض الاجراءات الاحترازية كـ “خطوة مبدئية” مثل إعداد خيم للعزل الصحي وتدريب الفرق الطبية للتعامل مع حالات الاشتباه المحتملة، إضافة إلى توزيع المنشورات التوعوية الوقائية في كافة مخيمات شمال شرق سوريا.

ويكشف عيسى لـ”بوابة سوريا” أن العديد من المخيمات “غير الرسمية” الموزعة على أرياف الرقة والحسكة لا تتلقى دعمًا من قبل الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية الدولية، ما يزيد من أعباء “الهلال الأحمر الكردي” و”الإدارة الذاتية” أيضًا التي تعمل ضمن إمكانياتها المحدودة لتقديم الخدمات اللازمة لهذه المخيمات، على حد تعبيره.

ويتابع عيسى، أن قاطنو المخيمات تطبق عليهم بعض الإجراءات الاحترازية مثل إيقاف الزيارات وحركة الدخول والخروج لمنع تفشي الفيروس، لكن تبقى هذه الإجراءات وقائية في الوقت الذي تعيش فيه معظم المخيمات أوضاعًا خدميةً سيئةً للغاية، قد تتسبب بانتشار الفيروس بشكل غير مسبوق، بسبب عدم توفر الأرضية المناسبة التي تساعد في المحافظة على النظافة الشخصية والالتزام بالتباعد الاجتماعي وغيره.”

 

المنظمات الإنسانية تقدم الوعود فقط

ويؤكد موظف من إدارة مخيم العريشة، فضل عدم الكشف عن هويته، أن المنظمات الإنسانية تقدم وعودًا “كاذبة” بخصوص تأمين المستلزمات الطبية وإنشاء مراكز للعزل الصحي داخل المخيمات، موضحًا أن “هذه المنظّمات لم تحرك ساكنًا ولم تلتزم بوعودها” على حد تعبيره.

وفي حديثه لـ “بوابة سوريا” يقول الإداري ذاته: “اتخذنا بعض الإجراءات الوقائية كمنع الدخول والخروج، ونحاول منع التجمعات لكن الأمر شبه مستحيل لأن المخيم يعتبر كتلة بشرية واحدة، لذلك من الصعب فرض حظر تجوال داخل المخيمات بشكل عام”.

ويتابع قائلًا: “معظم المنظمات تدعي إعداد خطط لتوزيع أدوات وأدوية التعقيم والكمامات وغيرها على النازحين، وتقدم الوعود في زيادة عدد عمال النظافة، وخاصة في الحمامات، وإنشاء نقاط طبية، لكن لم تفِ بوعودها بعد”.

 

المخيمات “بيئة خصبة” لانتشار الفيروس

ويعتبر الرئيس المشترك لهيئة الصحة التابعة للإدارة الذاتية جوان مصطفى، أن المخيمات تشكل تجمعات بشرية كبيرة من آلاف الأشخاص، واصفًا إياها بـ”البيئة الخصبة” لانتشار فيروس كورونا المستجد.

وحذّر المسؤول ذاته، من تفاقم الحالة الإنسانية داخل المخيمات وخاصة مخيم الهول الذي يحتضن أكثر من 70 ألف شخص، على حد قوله.

ويتابع: “مسؤولية المخيمات لا تقع على عاتق الإدارة الذاتية وحدها، وخاصة مخيم الهول الذي يحوي بداخله آلاف الأشخاص من جنسيات مختلفة، نحن نعمل ما بوسعنا لتقديم الرعاية الصحية لكافة النازحين واللاجئين في المخيمات، لكن ينبغي على الدول والمنظمات الإنسانية الدولية التدخل الفوري وتقديم يد العون”.

ويقول مصطفى: “بعد نقاشات موسعة مع المنظمات الإنسانية العاملة في المنطقة تطرح الأخيرة تقديم مساعدات بإمكانيات “بسيطة وخجولة” لا ترقى للمستوى المطلوب في مواجهة جائحة “كورونا – كوفيد 19”.

كما يؤكد مصدر إداري من منظمة الإنقاذ الدولية (IRC) العاملة في مناطق شمال شرق سوريا، فضل عدم الكشف عن هويته، عدم وصول مساعدات طبية خاصة بفيروس “كورونا” إلى المخيمات، مشيرًا إلى اقتصار أعمال معظم المنظمات الإنسانية داخل المخيمات على الأنشطة التوعوية من توزيع المنشورات والملصقات وغيرها.

ويوضح في حديثه لـ “بوابة سوريا” قائلًا: “ما تزال المنظمات الدولية داخل المخيمات مستمرة بعملها السابق، مع اتخاذ بعض التدابير الوقائية داخل مراكزها والاعتماد على المنشورات التوعوية لمنع تفشي فيروس كورونا الذي يسبب مرض كوفيد19، لكن معظم هذه الإجراءات وقائية فقط، ولا وجود لاستعدادات حقيقية أو تجهيزات طبية لاحتواء المرض.”

وسبق أن قال الهلال الأحمر الكردي، عبر صفحته الرسمية في “فيس بوك”: “إنهم تلقوا إخطارا “بشكل مفاجئ ومتأخر” من المكتب الإقليمي للصحة العالمية يؤكد وفاة شخص يبلغ من العمر 53 عاما من مدينة الحسكة بعد إصابته بمرض COVID-19″.

فيما حَمَّلَت الإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا، “منظمة الصحة العالمية” مسؤولية “حدوث أو انتشار” وباء كورونا في مناطق شمال شرق سوريا، متهمةً المنظمة بالتكتم على نتائج الاختبار للمتوفي بمرض كوفيد 19 في الثاني من نيسان الجاري.

guest
2 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
Ahlam
Ahlam
6 شهور

الله يعين هالناس و يبعد عن الجميع المرض

trackback

[…] فيديو قصير يشرح الإجراءات التي يمكن اتخاذها لحماية كبار السن وأصحاب المناعة الضعيفة، خاصة في المخيمات، لحمايتهم من الإصابة بمرض كورونا.. […]