تعلن البلديات التابعة لـ “الإدارة الذاتية” بين الوقت والآخر إلقائها القبض على أشخاص يقومون ببيع مواد إغاثية غير مخصصة للبيع (مساعدات إغاثية) في شوارع ومحلات أو مستودعات في مدينة الحسكة.

جميع هذه المواد، مصدرها منظّمات إغاثية محلّية أو دولية، وصلت إلى سوريا ليتم توزيعها على النازحين والمحتاجين بشكلٍ مجّاني، ولكن نسبةً كبيرةً منها انتهت بيد التجّار، فمن أين يتم الحصول على هذه المواد؟ وخصوصًا أنّه من المفترض أن تكون من نصيب النازحين والفقراء.

 

آليات توزيع غير عادلة للمساعدات

تنقسم المنظمات الخاصة بتوزيع المساعدات الإنسانية بين منظمات تابعة للأمم المتحدة والتي تعمل بترخيص من النظام السوري من جهة، ومنظمات وجمعيات تعمل بترخيص من “الإدارة الذاتية” في شمال وشرق سوريا من جهةٍ أخرى، مع فارق أن المنظمات التي تتبع للنظام السوري تستطيع التوزيع في مناطق سيطرة “الإدارة الذاتية”، بينما المنظمات التابعة للأخيرة توزّع حصرًا داخل مناطق سيطرتها.

مركز توزيع المساعدات والمعروفة بالمعونات في مركز “الهلال الأحمر العربي السوري” في حي الكلاسة ضمن سيطرة الإدارة الذاتية في الحسكة، يشهد بشكل مستمر، تجمعًا كبيرًا للمواطنين للحصول على صندوق المعونة والذي يعطى كل سنة مرة واحدة لجميع المناطق التابعة لمدينة الحسكة.

أمام هذا التجمع الكبير تتدخل الوساطة للتلاعب بالطابور المنتظر من المدنيين، وعدا ذلك يبقى المستفيد أيامًا وأسابيعًا للحصول على هذه المعونة وذلك بحسب ما روى مواطنون لـ “بوابة سوريا”.

يقول عبد الباقي العبد، من أهالي تل براك شمالي مدينة الحسكة لـ “بوابة سوريا” في مقابلة أجراها قبل جائحة “كورونا”: “منذ عشرة أيام وأنا مواظب على الدوام أمام مركز الهلال الأحمر السوري للحصول على حصتي من المعونات ولكن دون جدوى، فأعداد الناس المتجمعين لا تعد ولا تحصى ونرى بأم أعيننا كيف يدخل البعض دون الوقوف على الدور ويحصل على سلته الغذائية لأنه من طرف أحد المتنفذين داخل المركز”.

وحصل موقع بوابة سوريا على معلومات خاصة تفيد بأن الشخص المستفيد بإمكانه الحصول على حصته دون الانتظار على الطابور، شريطة أن يدفع خمسة آلاف ليرة سورية لأحد النافذين حتى يحصل على السلة الغذائية والتي تقدر بخمسة وعشرون ألفاً.

 

أسماء وهمية وتهريب مئات السلال الغذائية

حتى الآن يبدو الأمر طبيعيًا في ظل ظروف الحرب واستغلال حاجة الناس كي يحصلوا على هذه السلة الغذائية، فلا ضير من التخلي عن بعض مكونات السلة للحصول عليها، لكن الغريب في الأمر أن هذه المواد تباع في شوارع مدينة الحسكة وبكميات كبيرة.

ومن مصادر خاصة ومتقاطعة حصلت عليها موقع “بوابة سوريا” فإن عمليات التهريب بطرق غريبة تحدث داخل مركز الهلال الأحمر السوري، حيث يأتي شخص متنفذ معه قائمة أسماء وهمية بالاتفاق مع موظف داخل المركز، ليتم أخذ مساعدات لهذه الأسماء ثم تسليمها إلى باعة ليقوموا ببيعها في شوارع مركز مدينة الحسكة، في عملية بسيطة ولا تكلف شيئًا في حين أن الفوائد بالملايين”.

ولكن لم تتمكّن “بوابة سوريا” من التثبّت من ذلك، لأن التثبّت يحتاج إلى الاطلاع على سجلات وكشوفات المستفيدين لمقارنتها بالمستفيدين الحقيقيين ومعرفة ما إذا كان هناك مستفيدين وهميين.

 

موظف في الهلال الأحمر يرد

عرضت “بوابة سوريا” المعلومات التي توصّلت لها على موظف يعمل مع الهلال الأحمر منذ عدّة سنوات.

وقال الموظف الذي رفض الكشف عن هويته: “إن المواد التي تباع في الأسواق هي فائضة عن حاجة الأشخاص المستفيدين الذين حصلوا عليها” موضحًا ان هذه المواد ليست من الصنف الأول ولا الثاني ولا الثالث.

وأضاف أن الهلال الأحمر التابعة برنامج الأغذية العالمية هي الزيت والأرز وهاتين المادتين لا يوجد أي بيع لهما، ولكن قد يتم بيع عدس المجدرة والحمص وغيرها من المواد من قبل المستفيدين لأنّهم لا يرضون بها رغم أنّها ليست من النوع الرديء.

كما كشف أن البعض يبيعون المواد الإغاثية لأنّهم يحتاجون المال حسب تعبيره، قائلًا: “كنا في إحدى المدارس التي فيها نازحين ووزعنا وسيارات تحمل 22 حصة غذائية، وفي اليوم الثاني لاحظنا عن طريق الصدفة أن أحد المستفيدين قام ببيع حصته، وعندما سأل المستفيد عن سبب بيع الحصة قال لأنه يريد إصلاح نظارته المكسورة.

وأشار إلى عدم وجود التنسيق بين المنظمات والجمعيات حيث قال: “عندما نذهب لنوزع في مدرسةٍ أو مخيمٍ ما، نجد جمعيات أخرى توزع لهم فيحصل فائض لديهم مما يجعل الكثير على البيع لأنها نفس المواد تقريبًا.

 

رب ضارة نافعة

بالرغم من عمليات الفساد الجارية في توزيع السلال الغذائية إلّا أن هذه المواد المهربة تباع بأسعار أدنى من مثيلاتها في السوق قد تصل إلى النصف، فمعظم الذين قابلهم “فريق بوابة سوريا” أجمعوا على أن هذه المواد رخيصة جدًا مقارنة مع مثيلاتها في السوق، وأنهم تعودوا على شراء هذه المواد الإغاثية والتي أصبحت كسوق داخل المدينة ولا يكاد ينقطع.

 

منع بيع المواد الإغاثية

يقول كيم شيخة من أرشيف قسم ضابطة التموين في “بلدية الشعب” بالحسكة الناحية الغريبة لـ “بوابة سوريا“: “بعض المواد التي يتم ضبطها تكون بأن يقوم المستفيد الحاصل على هذه المواد ببيع سلته الغذائية من أجل شراء حاجياته الأخرى والتي لا تكون موجودة ضمن السلة المعطاة له”.

ويضيف شيخة، أما الكميات الكبيرة فيحصل التجّار عليها من بعض موظفي المنظمات الإغاثية وذوي النفوس الضعيفة الذين يبيعون أرزاق الفقراء ويتاجرون بها، موضحًا أنه لا يوجد تجار متحكّمون لأن المتحكّمين هم أنفسهم الموظفين الذين يبيعون ضمائرهم و”يتحكمون في أرزاق الشعب الفقير ويتاجرون بلقمة عيشهم” حسب تعبيره.

ويشير شيخة إلى قيام لجنة حماية المستهلك في قسم الضابطة في بلدية الشعب بالناحية الغربية بالحسكة بدوريات على محلات المواد الغذائية والأسواق الشعبية من أجل مراقبة وجود المواد الإغاثية في المحلات والأسواق ومصادرتها ومخالفة الذين يقومون ببيعها والمتاجرة بها وتسليمهم إلى العدالة.

الاستياء هو العنوان الحقيقي للتوزيع غير العادل سواء أكانت سلال غذائية أو أموال مقدمة لدعم العوائل الفقيرة بافتتاح مشروع صغير أو تأمين مستلزمات مهنة معينة، إذ أنّه طول هذه السنوات لم يستفد من هذه المشاريع شخص مستحق، ويجمع غالبية سكّان شمال شرق سوريا أن الفرص من المنظّمات لتأسيس المشاريع الصغيرة تقتصر على دائرة ضيقة من المتنفذين.

 

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments