تزيد محنة ذوي الإعاقة في سوريا، عن أقرانهم في كل أنحاء العالم، فبالإضافة إلى الإعاقة الجسدية أو الذهنية التي تعاني منها هذه الفئة، فإنّها تجد نفسها مهمّشة في سوريا، وتعاني من ظروفٍ قاسية في ظل انعدام المرافق الخاصة لمساعدتهم على تلبية احتياجاتهم الحياتية الأساسية، إضافةً إلى نظرة المجتمع لهم.

سلسلة تحدّيات يعانيها ذوو الإعاقة السمعية في سوريا، تشرحها “بوابة سوريا” في هذا التقرير.

وفي ظل شح الاهتمام الدولي بذوي الإعاقة السمعية، تطوّع أشخاص في ريف حلب الغربي بشكلٍ فردي، لإنشاء مراكز خاصة بتلك الفئة وتعليمها بطرق تتوافق مع نوع كل إعاقة سواء البصرية أو الصم والبكم، حيث تم إنشاء مركز خاص بذوي الإعاقة (الصم) في بلدة كفرنوران غرب محافظة حلب شمالي سوريا، لمتابعتهم ورعايتهم بشكل خاص، مع تقديم التعليم بلغة الإشارة المعروفة بصعوبة إيصال الفكرة للمتعلم ذوي الإعاقة.

 

مركز الصم والبكم

مازال كثيرون ينظرون إلى ذوي الإعاقة، على أنّهم بمعزل عن بقيّة أفراد المجتمع، كونهم يحملون هذه الإعاقة، فلا يُعاملون معاملةً سويةً من قبل بعض أفراد المجتمع، رغم أن فرصهم للاندماج في المجتمع والتحوّل إلى أشخاصٍ منتجين تبقى مرتفعة في حال تم تدريبهم وصقل قدراتهم الذهنية والجسدية، التي قد تؤهّلهم لأخذ دورهم في المجتمع، وانطلاقًا من هذه الفكرة، تم إطلاق هذا المركز.

يقول مدير المركز عمر حاج درويش في حديثه لـ”بوابة سوريا“: “إنهم أنشأوا المركز بجهد ودعم ذاتي ولم تقدم أي جهة أو منظمة دعمًا للمركز منذ تاريخ إنشائه حتى تاريخ توقفه عن العمل نتيجة النزوح، كما أن المركز يحتوي على 80 حالة من الإعاقات السمعية جلهم من الإناث موزعة على قرى وبلدات ريف حلب الغربي بأعمار تتراوح بين 5 حتى 35 سنة”.

وأضاف حاج دويش، أن فكرة المركز جاءت من وجود ثلاثة من أبنائه لديهم إعاقات سمعية، فهو يمتلك خبرة بالتعامل مع تلك الفئة لأكثر من 20 سنة، فقد تم الاعتماد على الخبرة وطرائق التدريس والمناهج العربية والأجنبية بأسلوب التعليم الخاص بالصم مع العمليات الحسابية المطبوعة على البلاستيك بالإضافة للقاموس العربي للصم الذي قدم إفادة كبيرة لهم.

ويتم تعليم المستفيدين، العمليات الحسابية، ونسج الصوف ولف الشعر للنساء.

ولفت الحاج درويش، إلى الصعوبة الكبيرة في إيصال المعلومة لذوي الإعاقة السمعية قائلًا: “إن الأشخاص من غير ذوي الإعاقة يستغرق ساعة لحفظ درس عادي من أي كتاب كان، بينما الشخص الأصم يستغرق أسبوعًا كاملًا للتدرّب على حفظه وفهم معانيه بلغة الإشارة من مدربه، كما أن قلة توفر الوسائل الحديثة للتعليم ومقوماته خلقت عائقًا آخر أمام سرعة وصول المعلومة للمتعلم”.

 

معاناة ذوي الإعاقة بعد النزوح

أدت العمليات العسكرية والهجمات التي شنتها قوات الأسد وروسيا على المناطق المحررة في ريفي حلب الغربي والجنوبي، إلى موجة نزوح لمئات الآلاف من المدنيين من بينهم ذوي الإعاقة وعوائلهم.

كما تعرض مركزهم في كفر نوران للقصف الجوي والمدفعي ما أدى لخروجه عن الخدمة وتدميره بشكلٍ جزئي.

وبصدد ذلك تقول المدربة لغة إشارة الصم بيان عمر لـ”بوابة سوريا“: “إن المستفيدين من المركز نزحوا إلى مناطق متفرقة في ريفي حلب الشمالي والشرقي ومناطق حارم وسرمدا الحدودية مع تركيا، وأصبحتُ بعيدة كمدربة عن الطلاب والنساء اللواتي كنَّ في المركز، ولكن مازلنا نتواصل ونطمئن على أحوال الطلاب من خلال مجموعة خاصة بالمركز عبر تطبيق واتس آب”.

تضيف المدربة، أنهم عملوا على جمع عدد من الطلاب القريبين من مكان نزوحهم في مكان واحد واستئناف العمل، لكنهم لم يستطيعوا الوصول للطلاب الآخرين وجمعهم على أمل العودة للمركز الأساسي بعد ترميمه، كما أن ذوي الطلبة لديهم حافزًا كبيرًا بالعودة أو حتى الانتقال لمكان سكن قريب من تجمعهم الجديد بغية متابعة تعليم أطفالهم وذويهم.

 

أمل بعودة المركز

والتقت “بوابة سوريا” ذوي أحد الطلبة الصم بعد نزوحه إلى مدينة أخترين بريف حلب الشمالي، حيث قال عمر ديبو 62 عامًا: “إن طفله ساءت حالته النفسية كثيرًا عقب نزوحهم من ريف حلب الغربي، وذلك لبعده عن أصدقائه، فقد بقي ثلاثة أيام بمعزل عن أسرته ويريد العودة إلى المركز” مضيفًا: “رغم محاولاتنا إقناعه بالإشارة أن رفاقه قد نزحوا أيضًا وحاله مشابه لهم”.

يضيف ديبو، أن المركز له فضل كبير رغم كل المعاناة التي واجهتهم وعملهم التطوعي فقد قدم خدمات كبيرة للصم والبكم، ولكنَّ أوضح أن بعدهم عن المدربين ورفاقهم شكل حاجزًا في التواصل مع العالم الخارجي وحتى عوائلهم ما دفع بعضهم للانعزال.

وأكمل أن طفله منذ أن اكتشفوا أنه لا يسمع كانت أمه تصحبه إلى المركز للتدرب والتآلف على أجوائه وعندما ابتعد عنه أثر ذلك وانعكس بشكل سلبي على نفسية الطفل.

وبين والد الطفل، أنه يعتزم الانتقال من مكان سكنهم الحالي مع شقيقه الذي يملك طفلاً آخر من الصم والبكم أيضًا، للسكن بمنطقة يستطيعون فيها إيصال أطفالهم لمدربيهم ورفاقهم البقية كل فترة حتى لا يتأثروا بشكل أكبر.

من جهةٍ أخرى، أراد الطفل أحمد ابن شقيق عمر ديبو، أن يظهر لمراسل “بوابة سوريا” عن طريق الإشارة رغبته بالعودة إلى رفاقه في المركز ذاته ربما لغرض محبتهم وليس مكترثًا للجانب التعليمي كثيرًا كونه طفلًا.

ورغم كل تلك التحديات والصعوبات التي تواجه مركز الصم فضلًا عن عمله التطوعي وبوسائل محدودة، تجد الأمل في وجوه المدربين وذوي الطلبة لكونهم جعلوا المستفيدين، أشخاصًا مشاركين في المجتمع وهم يفتقدون اليوم إلفة الاجتماع في المركز ولقاء الأصدقاء والمشاركة مع بعضهم البعض بلغة الإشارة.

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments