مع ارتفاع نسبة البطالة وقلة فرص العمل في إدلب تتنامى ظاهرة التسول يومًا بعد يوم لتصبح مشهدًا اعتياديًا يراه العابرون باستمرار في شوارع وأزقّة أغلب المدن والبلدات في ريف إدلب.

العشرات من النساء والأطفال من مختلف الأعمار يجولون الأسواق العامة والشوارع ويقفون أمام المساجد، يستجدون المارة والمصلين للحصول على أي مساعدة.

لم تكن ظاهرة التسول جديدة على محافظة إدلب، إلا أنها تنامت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة بسبب العشوائية التي تعيشها المحافظة نتيجة الظروف الاقتصادية القاسية التي يعيشها المدنيون.

 

حاجة أم مهنة؟

لا شك بأن الفقر أحد أهم عوامل انتشار التسول، إلا أن الكثير من المتسولين قد امتهنوا تلك الظاهرة ليحصلوا من خلالها على دخلٍ وفير، وذلك في وقت يصعب فيه الحصول على فرص العمل وتنخفض الأجور التي تُمنح بالليرة السورية.

يقول التاجر أبو أحمد الذي يعمل في إدلب لـ “بوابة سوريا“: “إن أكثر من عشرة نساء وأطفال يمرون يوميًا على متجره، أو ينتظرون الزبائن ليستجدون عطفهم في الحصول على بعض المساعدات، متذرعين بأنهم أيتام أو مرضى ولا يملكون ثمن الدواء أو مهجرين ولا يملكون مأوى” موضحًا أن الكثير من الناس يتعاطفون معهم ويمنحونهم بعض المساعدة، إلا أن أصحاب المحال التجارية في السوق باتوا يعرفونهم بشكل جيد لأن غالبيتهم يترددون بشكل يومي، ما يعني أن تسولهم تحول لمهنة أكثر من كونه حاجة فالمساعدات والأموال التي يحصلون عليها بشكل يومي، قد تكفيهم لمدة يومين أو ثلاثة رغم غلاء المعيشة، حسب التاجر.

 

تزعم أم أحمد بأنها تضطر لطلب المساعدة من الناس بسبب حاجتها، ولأن لديها أيتام يجب أن تنفق عليهم، متهمةً المنظمات الإنسانية بالتقصير، وهذا ما دفعها للوقوف أمام المساجد وفي الساحات العامة.

كما أن ظاهرة التسوّل تنامت بشكل ملفت بين الأطفال، في الآونة الأخيرة، وزادت جرأتهم في الطلب والإلحاح حتى يحصلوا على مبتغاهم.

 

التفكّك الأسري والتسرّب من المدارس

ترى المرشدة النفسية سحر محمد، أن التفكك الأسري والتسرب الدراسي كانا من أهم العوامل التي ساهمت بتفشي هذه الظاهرة بين الأطفال.

وأكّدت المحمد، أنها صادفت بعضهم وحين طلبت منهم أن يأخذوها إلى منزلهم لتقدم لهم المساعدة هربوا بعيدًا عنها، في حين قد تعمد بعض الأمهات لدفع أطفالهنَّ لامتهان التسوّل بهدف توفير الدخل للأسرة التي يغيب والدها.

وكيفما تجولت في شوارع مدينة إدلب تلتقي بأطفال لا يتجاوزن سن العاشرة، ويحرجون المارّة بكثرة إلحاحهم وطلبهم للمساعدة، بعض هؤلاء الأطفال يمتهن التسول دون علم أهله، لأنه يرى أن الأمر أصبح مستساغًا والكثير من أقرانه يمارسون هذا الفعل ويجنون بعض المال الذي يمكنهم من شراء كل ما يحلمون به.

 

تسول بشكل آخر

في أسواق المدن الكبرى يعترض بعض الأطفال أو النساء ممن امتهنوا التسول، المارّة لكن بأسلوب آخر، إذا يعتمدون على بيع سلعة يحملونها مثل البسكويت أو المحارم، حيث يكون إصرارهم على بيع أي شيء وملاحقتهم للمارّة تدفع لوصف الفعل بالتسول بعيدًا عن التجارة والبيع، باستثناء البعض الذين أخذوها مهنةً فعلا واستغلوا أحد الأرصفة ليعرضوا ما يبيعون.

يقول أبو عمر وهو من سكّان مدينة إدلب: “هو تسول فعلًا وليس تجارة، لأنّني صادفتُ سيدة تبيع محارم في اليوم الأول وبعد أيام شاهدتها تتسول في نفس المكان” لافتًا إلى أن طريقة عرضهم للمواد التي يبيعونها تدفع لوصف فعلهم بالتسول، بسبب تملقهم الكثير كي تشتري وبالسعر الذي يفرضوه.

بالمقابل ثمّة بعض السيدات اللواتي يعملن بشكل حقيقي ببيع أدوات بسيطة كالمناديل والبسكويت على أحد الأرصفة لعجزهنَّ عن امتلاك محال تجارية لممارسة المهنة”.

ويرى بعض من التقيناهم أن الازدحام السكاني وحركات النزوح ساهمت بشكل كبير في انتشار التسول، فالكثير من ضعاف النفوس يستغل عواطف الناس ليخبرهم بأنه نازح وقد تقطعت به السبل ولا يملك ما يسد به حاجة أسرته، طالبًا المساعدة وهو يعلم أن المارّة لن يتمكنوا من التأكد من صحة ادعائه بسبب الازدحام الكبير الذي تشهده المدن.

 

أثر التسول على مستقبل الأجيال

تترك ظاهرة التسول آثارًا سلبيةً على الأجيال القادمة لأن انتشارها بشكل كبير سيجعل الأمر مألوفًا، ومع تقادم الأيام ستصبح تلك الظاهرة مهنة لا تعيب من يعمل بها، بينما كانت تعتبر في السابق أمرًا مشينًا يدفع صاحبها للخجل واختيار المناطق التي لا يعرف سكّانها ولا يعرفوه.

وذكرت المرشدة النفسية سحر محمد، أن كل الدراسات النفسية أكدت على وجود تناسب طردي بين التسول وانتشار الجريمة في المجتمع، نتيجة تكوين الطفل ردة فعل سلبية تعود بنتائج كارثية.

وأضافت أن الطفل في هذه الحالة يفقد كرامته مع الوقت، كما يُصبح غير قادر على بناء شخصية مستقلة، وبناء مهارات مختلفة تساعده على العيش بشكلٍ إيجابي في الحياة، وذلك بسبب الإهانات التي يتعرض لها أثناء ممارسته للتسوّل وبسبب اعتياده على ممارسة وسائل مُهينة لجلب المال.

 

غياب الدور الحكومي

وساهم غياب المؤسسات المهتمة بمعالجة هذه الظاهرة، في انتشارها بشكل أكبر مع غياب القوانين التي تفرض عقوبات على ممتهني التسول وتطالب بملاحقتهم للتأكد من حاجتهم فعلًا.

وأكد بعض من التقيناهم أن الأمر يمكن تلافيه عن طريق تشكيل لجان تتبع لإحدى المؤسسات الحكومية، مهمتها مراقبة المتسولين والاطلاع على واقعهم المعاشي لتميز المحتاج منهم ومساعدته عن طريق ترشيح اسمه للمنظمات الإنسانية والخيرية، ثم إدخاله في سوق العمل بهدف تحويله من عنصر سلبي في المجتمع إلى عنصر إيجابي.

ويحتم تنامي الظاهرة على الجهات المعنية والمجالس المحلية التحرك بشكل جدي وحقيقي لمعالجتها بشكل يضمن حياة كريمة لتلك الفئة من المواطنين.

مصدر الصورة: فليكر

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments