تتعدد الأزمات السياسية والعسكرية التي تعصف في الشمال السوري بين الحين والأخر، ولا تكاد تنتهي إحداها حتى تبدأ الأخرى، حيث توقّف القصف على الشمال السوري حتّى تعزّزت المخاوف من انتشار جائحة كورونا، ما زاد الأعباء الاقتصادية على المدنيين.

ويأتي ذلك على منطقةٍ هشّةٍ من الناحية الاقتصادية، تُعتبر البنى التحتية فيه متناهية الصغر وغير قادرة على استيعاب الوباء أو أي أزمات أخرى.

ولكن يبقى الجانب الاقتصادي هو أكثر ما يؤرق المدنيين في الشمال السوري، حيث يُعتبر تحصيل لقمة العيش من أولوياتهم.

 

ارتفاع الأسعار يعصف بالمدنيين

منذ انطلاق الحملة العسكرية لقوات الأسد وحليفته روسيا ضد مناطق شمال غرب سوريا قبل نحو عام، وسيطرته على أجزاء واسعة من أرياف حماة وإدلب وحلب، شهدت أسواق ما تبقى من الشمال السوري ارتفاعًا في أسعار مختلف المنتجات، وزاد ارتفاع الأسعار بالتزامن مع تفشّي فيروس “كورونا”.

يقول مالك حمادي وهو نازح من ريف حماة فقد منزله: “جاء ارتفاع الأسعار كنتيجة حتمية لخروج مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية عن الاستثمار، وتلف آلاف الهكتارات التي كانت تزود سكان المناطق المختلفة بالخضار كالبطاطا والملفوف والبصل والثوم وبقية الخضروات الصيفية والشتوية”.

وأضاف حمادي، أنّه “حتى القمح تراجع إنتاجه كثيرًا بخروج مساحات زراعية عن سيطرة فصائل المعارضة، ولكنّ لحسن الحظ كان التعويض متاح بالطحين التركي الذي يغطي حاجة الأفران”.

كان مالك، وهو أحد سكّان إدلب، يشتري الكيلو الواحد من البصل بمبلغ 50 ليرة سورية، ولكنّه أضحى يشتريه اليوم بـ 700 ليرة، قائلًا: “لم يسبق أن سمعت في حياتي كلها بأن كيلو البصل وصل إلى هذا السعر، وكذلك الثوم الذي وصل سعره لنحو 5000 ليرة للكيلو الواحد”.

من جهته يرى خالد التركي، أن سعر البطاطا وهي إحدى أهم المنتجات التي يعتمد عليها المواطنون ارتفع بمقدار الضعف تقريبًا، فغالبًا ما كانت تباع في مثل هذه الفترة من السنة بنحو 200 ليرة على أكثر تقدير ولكنها اليوم تزيد عن 400 ليرة للكيلوغرام الواحد” موضحًا أن هذا يشكّل عبئًا على مجتمع تكاد تنعدم فيه فرص العمل وتتجاوز مستويات الفقر فيه كل الأرقام القياسية العالمية.

 

ما علاقة التجار بارتفاع الأسعار؟

لا بد وأن لكل أزمة أسبابًا خلفها، وتتّفق آراء معظم سكّان الشمال السوري، على وجود دورٍ سلبي للتجار في موجة الغلاء التي بدأت خلال الحملة العسكرية وازدادت في زمن “كورونا”.

قبل نحو شهر من الآن كان سعر كيلو الموز يبلغ نحو 1200 ليرة سورية في مختلف مناطق الشمال السوري، وخلال الأسبوع الماضي تفاجئ السكّان بأن سعر الموز هبط ليصل لنحو 600 ليرة سورية فقط، علمًا أن الموز مادة مستوردة وسعرها يرتبط بسعر صرف الدولار بشكل مباشر، الذي شهدت الليرة السورية مزيدًا من الانخفاض أمامه مؤخّرًا ما يعني أنّ سعر الموز من المفترض أن يرتفع لا ينخفض.

حسام الديراني، مهجر من غوطة دمشق وهو تاجر مفرق يبيع الخضراوات للمدنيين في معرتمصرين شمال إدلب يقول: “ارتفع سعر الموز بداية بسبب انخفاض سعر صرف الليرة السورية وذلك أمر طبيعي، ولكن قبل أسبوع ذهبتُ لجلب الخضار من سوق الهال المركزي في المدينة وتفاجأت بكميات هائلة من الموز في السوق، وأعتقد بأن نصف المواد الموجودة في السوق كانت موزاً (بالأطنان) والنصف الآخر لبقية المواد”.

وأضاف الديراني: جلبَ أحد التجار (في إطار المضاربات السوقية) كمية كبيرة من الموز وطرحها في السوق وهو ما تسبب بعرضٍ فائضٍ للمادة مقارنة بالطلب القليل، لا سيما وأن شراء الموز محصور بفئات مجتمعية قليلة، وبما أن الموز قليل القابلية للتخزين فاضطر الجميع للبيع بسرعة وهو ما أدى لانخفاض السعر حتّى النصف تقريبًا.

ويرى محمد الابراهيم، وهو تاجر مفرّق، أن انخفاض سعر الموز كان “مفاجئًا” مؤكّدًا أن الأمر عبارة عن مضاربات بين التجار ولكنّ أثره كان إيجابيًا على المدنيين الذين كانوا لا يستطيعون شرائه بسبب ارتفاع أسعاره منذ أشهر.

وتمنّى الابراهيم، أن تكون تلك المضاربات على مادة أخرى تهم المدنيين أكثر (كالبطاطا مثلًا) ليستطيع كل الناس الاستفادة منها.

ويضيف: “مثلما انعكست المضاربات إيجابًا على سعر الموز، فإن التأثير قد يكون عكسيًا لو اتفق التجار فيما بينهم على احتكار مادةٍ ما، وهذا ما يحصل في كثير من الأحيان حيث ترتفع أسعار بعض السلع بنسب عالية نتيجة احتكارها من قبل التجار أو الاتفاق على رفع أسعارها فيما بينهم.

 

“كورونا” وإغلاق المعابر

أربعة أشهرٍ مضت على بدء انتشار فيروس كورونا في دول العالم وإن كان الشمال السوري لم يسجل أية إصابات حتى الآن، إلا أن تأثير الفيروس اقتصاديًا وصل إلى مناطق الشمال.

بدأت هذه التأثيرات بمنع استيراد البضائع الصينية من قبل “الحكومة المؤقّتة” ثم قرارٍ بإغلاق المعابر الحدودية مع مناطق سيطرة قوات الأسد ومناطق شرق الفرات ومنبج التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، وأخيراً جاء القرار بإغلاق المعابر الحدودية مع تركيا بعد رصد وصول الفيروس إليها وبدء انتشاره فيها،

وأعلنت حكومة الإنقاذ التي تدير منطقة محافظة إدلب وما تبقى من ريفي حلب وحماة قراراً بإغلاق معبري “الغزاوية” و “دير بلوط” وتقييد الحركة للمستويات الدنيا لتخفيف التنقل كونه أحد أهم أسباب العدوى.

تأثر ذلك كان كارثيًا على الأسواق في الشمال السوري، حيث يقول محمد الحموي صاحب بقالية لبيع المواد الغذائية في مدينة إدلب: “أدى إغلاق المعابر المفاجئ إلى انقطاع عدة أصناف وقلة كبيرة في المواد، بالإضافة إلى أن خوف الناس من غلاء الأسعار أدى لازدياد الطلب على مختلف المواد (حمّى الشراء) وهو ما أحدث خللًا كبيرًا بين العرض والطلب وأدى لارتفاع الأسعار بشكل كبير.

وعن دوره كتاجر تجزئة في رفع الأسعار قال محمد: “ليس للتجار الصغار دور في هذا وإنما الأمر بالدرجة الأولى للتجار الكبار والموزعين الرئيسيين، نحن نقوم شراء المواد من الموزعين ووضع نسبة ربح عليها، ولكنّ ذلك يختلف من بائع لآخر وليس له ضوابط”.

ولكن بعض سكّان إدلب ومنهم أسامة عبد الرزاق، يرون أن جميع التجار مسؤولين عن رفع الأسعار، وعلى رأسهم تجار التجزئة الذين يعمدون لإخفاء البضاعة مع أول خبر لإغلاق الطرق أو توقف المعابر ثم يعيدون نشرها في السوق بعد أيام وبأسعار أكثر ارتفاعًا.

 

تذبذب سعر الليرة وتأثيرها على الأسعار

خلال الأيام الماضية، شهدت الليرة السورية انخفاضًا تاريخيًا لم يسبق أن وصلت إليه في تاريخ سوريا، حيث سجّلت الليرة السورية في آخر نشراتها، 1600 ليرة مقابل الدولار الواحد، وهو ما دفع محللين اقتصاديين للتأكيد بوجود علاقة بين هبوط الليرة وارتفاع الأسعار، وخصوصًا مع وجود نسبة كبيرة من المواد المستوردة.

وترتبط أسعار المحروقات مثلًا بسعر الدولار بالدرجة الأولى وبسوق النفط العالمي بالدرجة الثانية، حيث أن انخفاض سعر الصرف خلال الأشهر الماضية ساهم بارتفاع سعر أسطوانة الغاز من 5600 ليرة إلى أكثر من 11000 وكذلك بالنسبة للبنزين الذي قارب سعر اللتر منه 1000 ليرة بعد أن كان 375 ليرة خلال الأشهر الماضية، لكن هذه الأسعار عادت للانخفاض بالتماشي مع الانخفاض العالمي للنفط، باستثناء المازوت، الذي يعتبر العصب الرئيسي للاقتصاد ويؤثر بشكل مباشر على الخبز وفواتير الكهرباء لاشتراكات المولدات حيث لم يهبط سعر المازوت بشكل مماثل لانخفاض البنزين.

يقول عثمان طه وهو بائع محروقات: “بعد توقف قدوم النفط الخام من مناطق شرق سوريا توقف التكرير البدائي في شمال غرب سوريا، وباتت تركيا المصدر الوحيد للمحروقات عبر شركة “وتد” التي تستورده وتوزعه في محافظة إدلب”.

وتبقى عملية ضبط الأسعار لتتماشى مع دخل المدنيين، أمرًا صعبًا في الشمال السوري، في ظل الفوضى الإدارية وتعدّد المرجعيات المعنية بضبط الأسعار إضافةً إلى قرارات الإغلاق المرافقة لفيروس كورونا والتي زادت من موجات الغلاء الجاري.

guest
1 تعليق
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
trackback

[…] أهالي عامودا من ارتفاع أسعار الألبسة مع حلول عيد الفطر، حيث ارتفعت الأسعار إلى أكثر […]