برزت أهمّية التعليم عن بعد عالميًا بعد تفشّي فيروس “كورونا”، وتعتمد هذه الطريقة على وجود المتلقي (المتعلم) في مكان يختلف عن المصدر (المعلم) الذي يقوم بإرسال المعلومات للتلاميذ في أماكنهم.

وتقوم هذه العملية، برنامج تعليمي ينقل المعلومات من المعلم إلى طلابه في أماكن عدة على منصات التواصل التي تعتبر أداة وصل بين المعلم وتلاميذه.

وبسبب الأوضاع الحالية وانتشار فيروس “كورونا” في الدول المحيطة بسوريا، والمخاوف من انتشاره في الشمال السوري، علّقت “مديرية التربية والتعليم” الدوام في المدارس التابعة لها كإجراء وقائي لمنع تفشي الفيروس، وبالمقابل بدأت البحث عن طرقٍ بديلة لإيصال المعلومات إلى الطلاب عن بعد، لجنّب الاحتكاك بين الطلبة وتطبيق قاعدة “التباعد الاجتماعي”، فاختارت “التعليم عن بعد”.

 

منغّصات رغم المنافع

يقدّر عدد الطلاب في مدارس الشمال السوري بنحو نصف مليون طالب وطالبة، هؤلاء جميعًا توقّفوا عن الذهاب إلى المدارس منذ بدء المخاوف من انتشار الجائحة في الشمال السوري.

وعندما قرّرت مديرية التربية والتعليم تفعيل التعليم عن بعد، تركت الطريقة لاختيار المدرّسين والتلاميذ ليقرّروا هم الطريقة الأفضل لهم للدراسة.

على الرغم من فائدة هذه الطريقة من أجل إتمام التحصيل العلمي دون وضع الطلاب في خطر الفيروس، إلّا أنّها بالمقابل غير متوفّرة لجميع الطلاب.

وتعد المخيمات في الشمال السوري من أصعب البيئات التي يتم فيها تطبيق هذه الوسيلة، وذلك بسبب الصعوبات والتحديات الموجودة فيها، وأبرزها ضعف دخل العائلات القاطنة في المخيمات وبالتالي عدم قدرة الجميع على شراء حواسيب محمولة أو هواتف ذكية لأولادهم، إضافةً إلى سوء شبكات الانترنت وغلاء الأسعار في ظل غياب الدعم عن أغلب المخيمات.

بعد مضي أكثر من شهر على استخدام هذه الطريقة، توضحت مشاكلها بشكل أكبر.

“سمير البرهوم” مدرس لغة عربية مهجر من قرى جبل الزاوية يقطن في مخيمات سلقين على الحدود السورية التركية يقول لـ “بوابة سوريا“: “بعد قرار مديرية التربية تعليق دوام المدارس، قمنا بالتوجه إلى التعليم عن بعد من خلال تطبيق الدردشة (واتساب) وأنشأنا مجموعات تضم مجموعة من الطلاب حسب الصف، حيث يكون المعلم قد أعد فيديوهات تعليمية للدروس وأرسلها للطلاب عبر المجموعات”.

وتابع “البرهوم”: “لكن الأمر لا يخلو من الصعوبات التي واجهتنا، وأبرزها أن التجهيزات المتعلقة بالتكنولوجيا غير كافية لاستيعاب الكم الهائل من البيانات المرسلة مما يؤدي إلى تلف الأجهزة في بعض الأحيان ولا يوجد تعويض عن هذا التلف، بالإضافة لصعوبة التواصل مع جميع الطلاب بسبب عدم وجود هواتف محمولة لدى جميع الطلاب فاقتصر الأمر على فئة محددة من الطلاب”.

 

صعوبة التعامل مع “أون لاين”

من جهتها، توضّح مدرسة اللغة الانكليزية وعد الحسين، أنّه “يوجد الكثير من الصعوبات تواجه كثير من المعلمين بالنسبة لتوثيق الدروس وشرحها بعيدًا عن نظر الطالب، إضافةً إلى صعوبة تحميل وإرسال مقاطع الفيديو والصور عبر الانترنت”.

وترى الحسين، أن التعليم عن بعد هي تقنية جيّدة من جهة منع تفشي فيروس كورونا وعدم استكمال التعليم في المدارس لمنع الاختلاط، ولكنها لن تحصل على النتيجة المرجوة مقارنة مع وجود الطالب والمعلم في غرفة صفية واستخدام أساليب عدة لجذب انتباه الطالب للدرس.

 

ضغوطات على أهالي الطلاب

ويلعب الأهالي دورًا لا يقل أهمية عن دور المعلم في عملية التعلّيم عن بعد، لأن الطفل يتعلّم في بيته وسط أسرته على عكس التعليم التقليدي، وكلما كانت البيئة المحيطة بالطالب مريحة وملائمة كلما كانت فائدة التعليم عن بعد أكثر نفعًا.

وقال تيسير الأحمد ولي أمر أحد الطلاب في الشمال السوري: “من الصعب على الطالب فهم الدروس عبر الانترنت فنضطر نحن الأهالي إلى شرح الدرس مرة أخرى بأسلوب تصل فيه الفكرة” موضحًا: “هناك عبء كبير علينا في شرح الدرس لأطفالنا بعد تلقيه من المعلم عبر مجموعات “واتساب” التعليمية، بالإضافة إلى قيامنا باستماع الدرس من الطالب للتأكّد من أنّه حفظه وفهمه، بسبب غياب المعلم عن نظر الطالب وعدم إمكانية قيامه بهذه الدول عبر الإنترنت، ما يزيد من الصعوبات اليومية على ذوي الطلاب”.

إضافةً إلى هذه الجهود في متابعة الطالب، يحتاج التعلّيم عن بعد إلى تفرغ تام من قِبل أحد الأبوين، والوقت الكافي والخبرة في استخدام منصات التواصل الاجتماعي، وتقع على عاتق الأهل مهمة إقناع الطفل أن هذه المرحلة هي مرحلة دراسية وليست عطلة أو ما شابه.

رزان، طفلة مهجّرة من منطقة محردة في ريف حماة، تعيش في مخيّم صامدون في منطقة حارم مع جدّتها، تقول رزان: “أعيش مع جدّتي وليس لدي هاتف، ووالدي متوفين، لذلك أذهب إلى صديقتي هديل، وأتلقّى الدروس معها”.

تقطن هديل في ذات المخيّم مع رزان، وتتقاسم كلا الفتاتين في الصف الأول ذات الهاتف المحمول من أجل تلقّي التعليم عن بعد على فيما تواجه رزان صعوبةً تتمثّل في عدم وجود أبويها بجانبها اللذين استشهدا خلال قصف لقوات النظام، وبالتالي لا يوجد من يتابع نشاطها التعليمي في أحلك الظروف وأصعبها.

 

معاناة الطلاب مع التعليم عن بعد

ومن جانبه قال الطفل أحمد الحسين: “توقفنا عن الذهاب إلى المدرسة بسبب فيروس كورونا، لكنهم بدأوا ببث الدروس عن طريق واتساب إلا أنني لا أستطيع متابعة دروسي بسبب عدم امتلاك عائلتي هاتفًا محمولًا”.

وقال الطفل رحيل الياسر: “إن المعلم يشرح لي ولأصدقائي الدرس بشكل جيد، كما لو أننا موجودون في الصف، لكنني أُفضل التعليم في المدرسة”.

وبسبب استمرار المخاوف من الجائحة، على الرغم من تسجيل انخفاض في أعداد المصابين عالميًا مقابل ارتفاع عدد حالات الشفاء، أصدرت مديرية التربية في محافظة إدلب قرارًا يقضي بـ “نقل” طلاب الصفوف الانتقالية من مرحلتي التعليم الأساسي والثانوي إلى صف دراسي أعلى، مع اعتماد نتيجة الفصل الدراسي الثاني هي ذاتها نتيجة الفصل الدراسي الأول للعام الحالي.

وأوضحت تقارير سابقة لمنظمة الأمم المتحدة، أن الهجمات العسكرية لقوات النظام على مناطق الشمال السوري أدت إلى تدمير أكثر من 145 مدرسة معظمها في محافظة إدلب الأمر الذي ساهم بشكل كبير على تراجع التعليم في هذه المحافظة ككل وحرمان الأطفال من التعليم سواء من المهجرين أو المقيمين.

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments