فيلم “المنصة” يصنف ضمن أفلام الخيال العلمي، وهو فيلم إسباني قليل التكلفة، عُرض للمرة الأولى في فعاليات قسم “جنون منتصف الليل”، ضمن مهرجان “تورنتو” السينمائي الدولي في أيلول من عام 2019.

“المنصة” يختزل تاريخ البشرية

يختصر “المنصة” تاريخ البشرية ويتتبع تاريخ الانسانية وتوجه الانسان نحو “أنسنة” سلوكه ومحاولاته للتخلص من وحشيته البدائية والتقليل من العنف، كما يرصد تشكل الوعي وتمايز الانسان عن باقي الكائنات من خلال تنظيم سلوكه وتوزيع الثروات بشكل عادل، ويوضح أيضا ارهاصات التناحر الطبقي والتأكيد على حتمية مرور الانسان بمراحل فكرية من الاصلاح الديني والكنسي الى تبني قوة القانون و ديكتاتورية الدولة واللجوء الى القوة في مرحلة ما لفرض العدالة وتوزيع الثروات وموارد الطبيعة في نظرة أقرب ما تكون الى الاشتراكية والواقعية الاشتراكية، فبقدر ما يطرح العنف كجزء لا يتجزأ من طبيعة الانسان، بقدر ما يطرح مفهوم الخير كسمة إنسانية متلازمة للكينونة البشرية وسعي الإنسان للحفاظ على الموارد الطبيعية وخصوصا فيما يتعلق بالغذاء للأجيال القادمة.

“المنصة” فيلم يبني سرده القصصي على حوارات مكثفة، عميقة المعنى وسهلة المفردات، مأخوذة من الواقع والثقافة العامة الشعبية مستمدة من أسلوب الفيلسوف “سقراط”، وكل ذلك في تصاعد درامي شيق من خلال أداء ملفت للممثلين. 

ويوظف المخرج الكاميرا من خلال لقطات قريبة، ربما فرض المكان ذات المساحة الضيقة نفسه على حجم المشاهد، فقلما نجد مشاهد واسعة أو ملونة، وربما الفراغ وقلة الأثاث والديكورات داخل الزنازين خفف من وطأة الضيق ولم يشعر المتلقي بالاختناق.

.

قصة الفيلم

المكان مبنى طابقي، يقطن فيه مجموعة من الناس لكل واحد منهم أسبابه الخاصة في الوجود فيه وهو أقرب لمعسكر مغلق منه الى السجن، يطلق عليه داخل الفيلم “الحفرة”، من خلايا (طبقات) يعلو بعضها بعضًا عددها 333 خلية، يتخللها فراغ، يقطن في كل خلية مقيمان، وتتغير طبقاتهما كل ما مر شهر على احتجازهما، عن طريق بث غاز في الحفرة (السجن) ليُغمى عليهما ويُنقلا، فمن كان في الطبقة 100 قد يصبح بعد قضاء فترته في الطبقة 13.

المكان له نظام دقيق يطبق على جميع المقيمين، وينزل فيه الطعام، الذي يفترض أن يكفي كل من في السجن لو أكلوا فقط ما يحتاجونه فعلًا ، يوميًا على “منصة” خاصة، من الغرفة رقم صفر (المطبخ) إلى الغرف الدنيا.

وتبقى “المنصة” عند كل خلية لمدة دقيقتين، فإما أن يأكل من فيها أو يموت جوعًا، ثم تهبط لطبقة أدنى، ولا يسمح للسجناء بأن يحتفظوا بشيء من الطعام إذا انتهى وقتهم، لأن طقس الغرفة سيتغير بشكل فوري، إما درجات حرارة عالية محرقة أو برودة مجمدة.

فإذا كان السجين بالغرفة رقم أربعة مثلًا تصل إليه المنصة بمأدبة ما زالت عامرة، وإذا كان في الغرفة 50 فسيجد بعض البقايا والعظام، أما إذا كان في الغرفة 200 فلن يصله أي شيء، وهنا يبدأ البحث عن البقاء، بقتل شريك غرفته وأكل لحمه.

ويلعب “غورينج” الدور المحوري في البناء القصصي للفيلم، وهو بطل الفيلم، الذي يؤدي دوره الممثل الكتالوني “إيفان ماساجي”، دخل إلى السجن طواعية على أمل أن يجري بحثًا، حاملًا معه كتاب دون “دون كيخوته”  للروائي الإسباني “سربانتس” ريثما تنقضي مدة بقائه، ليستيقظ بطبقة متوسطة نوعًا ما في الخلية رقم 48، برفقة عجوز بالشكل، متمرس بالحفاظ على حياته، وذي خبرة كبيرة في المكان (السجن) ومدركا لقوانينه.

“غورينج” لم يلبث كثيراً حتى بدأ بفهم النظام المعمول به بالسجن، والاندماج فيه، غير متأخر بالبحث عن حلول لهذه المشكلة، وساعيًا لتغيير قناعات المساجين، وبث فكرة “التضامن العفوي” بالحديث إلى من هم أسفل منه أو أعلى.

غورينج لم ينجح بإقناع الطبقات العليا بقوة الحجة، بل بالسطوة والسلاح بسبب ما عايشوه، وهذا ما يبرز تصرف الفرد بحسب الحاجات الأساسية التي حددها هرم “ماسلو”، والتي تأتي في قاعها الحاجة الفيزيولوجية، من طعام وماء وأساسيات البقاء.

كما أن الفيلم يقترب في أماكن عديدة من نظرية سيغموند فرويد “النظرية البنيوية” وتقسيماتها، مثل “الهو” و ”الأنا” و ”الأنا العليا”. عندما يجوع الفرد، فإن ما تفرضه عليه غريزة البقاء (الهو) الأكل حتى لو كان الطعام نيئًا أو بريًا، بينما ترفض قيم المجتمع والأخلاق (الأنا العليا) مثل هذا التصرف.

لذا لم يلقَ “غورينج” آذانًا صاغية ممن حوله، حتى بدأ العمل على رسالة يوصلها لإدارة المكان السجن (الحفرة) التي تطلق عليه “العمود المركزي للإدارة الذاتية”.تلك الرسالة التي نكتشف أنها طفلة صغيرة كرمزية للأجيال البشرية القادمة، وضرورة استمرارية الحياة وذلك بالحفاظ على الموارد الطبيعية .

آراء

يقول المختص والمهتم بالشؤون السينمائية، بسام ماروكي، لـ”بوابة سوريا” إن “المنصة” هو ذلك الفيلم الذي تقف في نهايته محتارا أنك هل أحببته أم كرهته، ويضيف: “رغم كل بساطة الفكرة التي يطرحها تجد نفسك بالنهاية كنت تلهث خلف إجابة لا يدعي الفيلم و صناعة تقديمها أو ادعاء وجودها حتى, الفيلم هو عبارة عن رسالة تذكير للمتفرج بمأساوية ما وصل إليه الإنسان من انفصال طبقي و أنانية و قنوط، ولنكن صادقين رسالة الفيلم لم تكن أبدا رومانسية “.

ويرى “ماروكي” أن الفيلم عبارة عن إناء مليء بالماء والدم والبصاق البارد يرميها المخرج “غالدير كازتيلو” بوجه المتفرج والعالم بشكل عام، ويتابع قائلا: “الفيلم لا يوضح، بشكل مقصود، السبب الحقيقي لوجود هؤلاء المساجين، أهو اختياري أم قدري أم إجباري، يضطرون لأكل لحوم بعضهم البعض في صراع يائس للنجاة الفردية، الزنازين تضم كل منها سجينين سمح لكل منهما أن يأخذ معه إلى هذا الكابوس شيئا واحدا من الحياة المدنية السابقة نكتشف أن معظمهم اختار أن يأخذ معه سلاحا في رمزية واضحة لتغلب غريزة النجاة الفردية والنزوع إلى الصراع وتوقعه, طبعا الوحيد من بين المساجين بطلنا غورينغ (إيفان ماساغو)جاء إلى هذا السجن مسلحا بكتاب دون كيشوت يأكلها دون جدوى، ليجبره حكيم ما في إحدى الطبقات أن لا جدوى من الناس، لا جدوى إلا بإرسال رسالة تحدي أو تنبيه ربما للطابق صفر، حيث يعد الطعام و حيث نرى جيشا ما أرفع الطباخين يعدون المائدة كل يوم على أكمل تقويم يرأسهم شيخ طباخين كبير بالعمر يشرف على الجودة، في إشارة ربما لله يتبرأ المخرج من اتهامه بالترويج للشيوعية، ليعلن من فيلمه فشل جميع الأنظمة السياسية ليتمحور فيلمه حول رسالة لله أو السلطة العليا أو المطبخ، رسالة ترسل سريعا في نهاية الفيلم دون أن تخبرنا تلك النهاية إن كانت الرسالة قد وصلت أم لا.”

 

بطاقة الفيلم

  • المنصة (بالإسبانية:) من إخراج غالدير غاستيلو سنة 2019.
  • تاريخ الصدور: 2019
  • مدة العرض: 94 دقيقة
  • البلد: إسبانية
  • اللغة الأصلية: الإسبانية
  • المخرج: غالدير غاستيلو أوروتيا 
  • سيناريو: ديفيد ديسولا
  • تصوير سينمائي: جون. د دومينجويز
  • البطولة: 

 

  • إيميلو بوالي كوكا
  • زوريون ايغيليور
  • أليكسندرا ماسنجكاي 
  • أنتونيو سان جوان

 

الجوائز والتقييم:

حقق الفيلم للمخرج الإسباني غالدير جاستيلو أوروثيا، جائزة تصويت الجمهور لأفضل فيلم ضمن هذا القسم، وهو مأخوذ عن نص مسرحي للكاتبين ديفيد ديسولا وبيدرو ريفيرو.

حصل الفيلم (94 دقيقة) على تقييم سبعة من عشرة على موقع “IMDb“، المختص بالأفلام العرض الفيلم في مهرجان تورنتو للعام 2019، وقوبل بنجاح جماهيري وقتها، وفاز بجائزة الجمهور، حيث حصل على تقييم 7 على موقع “آي أم دي بي”، و84% من تقييم النقاد على موقع الطماطم الفاسدة، وهي تقييمات مرتفعة للغاية ترفع من أسهم مشاهدة الفيلم الذي حظي بنجاح نقدي وجماهيري سينمائي.
مصدر الصورة: imdb

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments